الصورة الفنية في ديوان ( من تاريخ وردة )... للشاعر الدكتور غسان لافي طعمة

العدد: 
15140
التاريخ: 
الاثنين, تموز 23, 2018

الصورة الفنية هي روح الشعر ، وهي في الأصل معنى لايقصد لذاته ، ولكنه يقصد حين يلبس ثوب الفن الرفيع، كذلك لايضيء  إلا بشعاع من الخيال ، ومن هنا يأخذ علامته الفارقة عن الكلام العادي، يضاف إلى ذلك الشعور المرهف والتأثر الحقيقي من قبل الشاعر نفسه ، وهذان العاملان هما أعمدة الفن الخالد .
 يضاف إلى ذلك أن الصورة الشعرية الجميلة تحرك رماد الأحزان والأفراح الخابي في أعماق الصدور،وتذكي جذوته لتلتهب من جديد، وهذه الصورة  لاتخضع أبدا ً لمنطق العقل  أو تجربة المعمل لأن الحياة لايحيط بها المنطق ولا التجربة ، ولا تتفجر ينابيعها في وصاية المنطق العقلي والتجربة العملية ، لأن الشعر بشكل عام قيمة إنسانية كبيرة وشاملة وليس قيمة لسانية فقط .
 وفي ديوان / من تاريخ وردة / للشاعر د . غسان لافي طعمة تجعيد واضح لثوب الصورة الناعم وتدفق عارم للصور الشعرية المبتكرة ، وتمرد فني على الصور الشعرية المتداولة ، وإزالة جريئة لعكاكيز الموروث الشعري التي اتكأ عليها حراس الشعر التقليدي القديم والجديد في آن معا ً ، وأدى ذلك إلى انفجار في روح الشاعر وجدت شظاياه في معظم قصائد  الديوان الذي تحول إلى معرض للصور الرائعة .
 ومن الناحية العملية فإن عمر الورود قصير جدا ً ولكن اليد الماهرة للشاعر وخياله المجنح الخصب أعطى لهذا العمر القصير نسغا ً ربانيا ً أعطاها عمرا ً جديدا ً يكاد يكون خالدا ً.  ومن عناقيد الصور الفنية الشعرية التي تدلت من دوالي الديوان نقطف حبات ناضجة طيبة الرائحة عذبة  الطعم وفي قصيدته التي حملت عنوان /من تاريخ وردة/ يقول:/ انتظرت الله يحملني إليك/ على براق الحب/  أغسل في مياه صفائك الروحي أشجاني/ توقظين النجم من إغفاءة كسلى/ فيرشف منك قبسته/ إن هذه الصور الحلوة غابة عذراء لم يدخلها أحد من قبل فيما نعلم .
 ومن قصيدة /قيثارة الروح / مازال يسبح في عبير  الضوء والكلمات : / الزقزات تفر من أوتارها والقوس مشدود على نهدين / من ألق الصباح/ .
 إن هذه الصور تجتاز جدار اللغة إلى آفاق من المدلول الشارح لمفهوم الجمال .
 وفي قصيدة /إفادة في محاكمة القتيل/ لم يبق مني غير أشلائي أوزعها عليكم/ لساني المقدود من نار ومن عسل / تلاشي في الرماد / فهي ميراث السكاكين الخفية / في جراحات القتيل/ .
الشاعر في هذه الصور يرفع ذائقة أفكار الناس ومشاعرهم إلى رفض قاطع لمنجزات الحضارة التدميرية إلى مستوى الأحلام الوردية .
 وفي قصيدة مهداة إلى الطفل الشهيد (محمد الدرة) : / وانهمر الرصاص جسدان في جسد/تثقبه رصاصات/ فترتفع الدماء إلى منارات الخلاص / حضن الجدار نجيعه/ وتسلقت روح إلى أسمى مزار/ كانت على كفيه أنهار/ وفي عينيه نار / هزّ الرجال صغيرهم/ فنمت على أشلائه غار/ .
إن هذه الصور المثالية المتتالية لقطات دامية لمشهد درامي مروع التقطها الشاعر من الشرفة  المسقوفة بعطر الشهادة، الجنود الصهاينة يطلقون رصاص الغدر والعدوان على الطفل الفلسطيني محمد الدرة ووالده الذي حاول  أن يكون درعا ً بشريا ً يحمي ابنه ولكن دون جدوى .
 ونتابع التجوال في هذه الحديقة من الألوان  والصور فنقطف الباقة التالية من قصيدة /أنتمي/ مزقوني في جوازات السفر/ فإذا  قلبي هزار/ يقرع الأبواب بالآهات / دثروني .... دثروني / . هذه الصور مشادة على  حبل مشدود ومطلوب منها الحفاظ على توازن مزعزع على حرف جرف صخري متداع ، ومن قصيدة مهداة إلى الشاعر ( فرج بيرقدار ) : /عشرون مرت/ والشحوب يرمد الألوان / والأيام سيدها الخريف عشرون .. لاطعم سوى طعم الغبار/ يا من تحتسي الآهات في صمت / وتقتات العويل/.
 إن هذا الغليان من الصور الشعرية التي تتسابق لاكتساب الشرعية عطور بلسمية تداوي أعمق الجراح في قلب آخر عشاق القمر .
 ومن قصيدة (عمي يا بائع الورد) : تغيبين يصغر قلبي يباسا ً / وتنعق فيه غرابيب حزني/ كأني خريف الرماد/ تعودين يخضر قلبي ائتلافا ً / وتصدح فيه حساسين فني / كأني ربيع البلاد/ أحبك ألمح في مقلتيك التقاء الفراتين في شط روحي /  .
 نعم إن ساعات العمر كلها جارحة والأخيرة القاتلة هذا ماقالته الصور الفنية التي أمتعنا بها الشاعر (د. غسان لافي طعمة ) فمن آخر قبلات الشيطان الخليجي إلى أول طلقات المقاومة الفلسطينية ، لقد قام هذا الديوان من خلال قصائده باستكشاف الوجود العربي الذي يتأرجح على حد سكين حادة بين الأحلام  الجميلة والكوابيس المرعبة ، وأسقطت دون مجاملة أو رحمة من برج الأوهام الطرية إلى أرض الواقع  القاسية، أما الحديث عن المواضيع الفنية والأفكار الهامة التي طرحتها قصائد الديوان فهذا يحتاج إلى دراسة مستقلة تعطيها حقها من الشرح والتفسير والتعليل، ونتمنى أن تتاح لنا الفرصة لتحقيق هذا الأمل المفيد .
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
نزيه شاهين ضاحي