شكّلت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق محطة مفصلية في مسار العلاقات السورية–الفرنسية، إذ فتحت الباب أمام مرحلة جديدة تقوم على الحوار السياسي، والشراكة الاقتصادية، والتعاون الاستراتيجي، بعد سنوات طويلة من القطيعة التي فرضتها سياسات نظام الأسد البائد وما ارتكبه من جرائم وانتهاكات بحق السوريين.
تحول في مسار العلاقات
مثّلت الزيارة، التي وصفتها وسائل إعلام فرنسية بـ”التاريخية”، أول زيارة لرئيس فرنسي إلى سوريا منذ عام 2009، كما تعد الأولى لرئيس دولة غربية كبرى منذ سقوط نظام الأسد البائد، ما يعكس تحولاً واضحاً في المقاربة الفرنسية تجاه دمشق، وانتقال العلاقات من مرحلة الجمود إلى مرحلة الانخراط المباشر في بناء شراكة جديدة.
وجاءت هذه الخطوة في ظل متغيرات إقليمية ودولية دفعت عدداً من الدول إلى إعادة تقييم سياساتها، مع تزايد القناعة بأن استقرار سوريا وتعافيها يمثلان ركناً أساسياً في استقرار المنطقة، وأن الحوار والتعاون أكثر فاعلية من استمرار القطيعة.
اقتصاد في صدارة الأولويات
تصدّر الملف الاقتصادي جدول أعمال الزيارة، حيث رافق الرئيس الفرنسي وفد يضم كبار مسؤولي الشركات الفرنسية العاملة في مجالات الطاقة، والنقل البحري، والطيران، والبنية التحتية، في إشارة إلى أن باريس تنظر إلى سوريا بوصفها سوقاً واعدة وفرصة استراتيجية للاستثمار خلال مرحلة إعادة الإعمار.
وأكد الرئيس أحمد الشرع، خلال اجتماع الطاولة المستديرة السورية–الفرنسية، أن سوريا الجديدة تفتح أبوابها أمام المستثمرين، وتعمل على بناء بيئة استثمارية حديثة تستند إلى القوانين والمؤسسات، مشيراً إلى أن البلاد تمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً يجعلها حلقة وصل بين البحر المتوسط والخليج والعراق، ويمنحها دوراً محورياً في حركة التجارة والممرات الإقليمية.
وأوضح الشرع أن رؤية الحكومة لإعادة الإعمار تشمل تطوير الموانئ والمطارات، وتحديث شبكات الطاقة والكهرباء والمياه، واستكشاف الموارد الطبيعية، إلى جانب تطوير المشافي الجامعية، والبنية الرقمية، والمدن الصناعية، بما يهيئ بيئة متكاملة لجذب الاستثمارات الأجنبية.
شراكة تتجاوز الاقتصاد
لم تقتصر الزيارة على الجوانب الاقتصادية، بل حملت بعداً سياسياً واستراتيجياً يعكس رغبة مشتركة في إعادة بناء العلاقات الثنائية على أسس جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
ورأى مختصون في الشأنين السياسي والاقتصادي أن مفهوم “الشراكة الاستراتيجية” الذي طُرح خلال الزيارة يتجاوز التعاون التقليدي، ليؤسس لعلاقة طويلة الأمد تشمل التنسيق السياسي، والتعاون الأمني، والتنمية الاقتصادية، والتبادل العلمي والثقافي، بما يخدم مصالح البلدين ويعزز الاستقرار الإقليمي.
فرنسا تعيد تموضعها في المنطقة
تعكس الزيارة أيضاً توجهاً فرنسياً لإعادة تموضعها في الشرق الأوسط، في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، والتنافس الدولي على ملفات الطاقة والممرات التجارية وإعادة الإعمار.
ويرى مراقبون أن باريس تسعى إلى الحفاظ على دورها التقليدي في المنطقة عبر الانخراط المباشر في مشاريع التنمية والاستثمار، وتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في سوريا، بما يواكب المتغيرات الإقليمية ويمنحها مساحة أوسع للمشاركة في صياغة مستقبل المنطقة.
رسائل تتجاوز الرمزية
حملت الزيارة رسائل سياسية واقتصادية متعددة، أبرزها تأكيد عودة سوريا إلى دائرة الاهتمام الدولي، والانفتاح على بناء علاقات متوازنة مع الدول الأوروبية، إلى جانب إظهار استعداد فرنسا للمساهمة في جهود إعادة الإعمار، وتعزيز التعاون في قطاعات الطاقة، والنقل، والبنية التحتية، والتعليم، والصحة، والقطاع المالي.
كما عكست مشاركة كبار مسؤولي الشركات الفرنسية اهتماماً عملياً بفرص الاستثمار، وترجمة التقارب السياسي إلى مشاريع اقتصادية قابلة للتنفيذ، بما يفتح المجال أمام شراكات طويلة الأمد تسهم في دعم التعافي الاقتصادي السوري.
مرحلة جديدة
تؤشر مخرجات الزيارة إلى انتقال العلاقات السورية–الفرنسية من مرحلة إدارة الخلافات إلى مرحلة بناء المصالح المشتركة، في ظل رؤية تقوم على توسيع التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري، وإعادة تفعيل قنوات التواصل بين المؤسسات في البلدين.
وتفتح هذه المرحلة آفاقاً جديدة أمام التعاون في ملفات إعادة الإعمار، والطاقة، والنقل، والتعليم، والثقافة، والاستثمار، بما يعزز فرص التنمية ويكرس حضور سوريا مجدداً في محيطها الإقليمي والدولي، ويمنح العلاقات السورية–الفرنسية زخماً جديداً بعد سنوات طويلة من الانقطاع.