في اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب.. ملفات جرائم النظام البائد بحق الصحفيين السوريين أمام مسارات العدالة

العروبة – متابعة

 

وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 559 صحفياً وعاملاً في المجال الإعلامي على يد قوات النظام البائد منذ آذار 2011 حتى سقوطه في الثامن من كانون الأول 2024، بينهم 48 قضوا تحت التعذيب، في حصيلة تعكس حجم الانتهاكات التي تعرض لها العاملون في المجال الإعلامي خلال سنوات الثورة السورية.

 

وتزامن الكشف عن هذه الحصيلة مع اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، الذي يصادف الثاني من تشرين الثاني من كل عام، وسط جهود حقوقية وقانونية لتحويل ملفات التوثيق إلى أدلة جنائية تدعم ملاحقة المسؤولين عن جرائم القتل والاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري.

 

559 قتيلاً و1612 مصاباً

 

أوضح مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، في تصريح لوكالة الأنباء السورية «سانا»، الاثنين، أن الشبكة وثقت مقتل 559 صحفياً وعاملاً في المجال الإعلامي على يد قوات النظام البائد خلال الفترة الممتدة من آذار 2011 حتى الثامن من كانون الأول 2024.

 

وبيّن أن من بين الضحايا 48 صحفياً وإعلامياً قضوا تحت التعذيب في مراكز الاحتجاز، إضافة إلى تسجيل إصابة ما لا يقل عن 1612 صحفياً.

 

وأشار إلى توثيق 1358 حالة اعتقال أو اختطاف بحق إعلاميين، فيما لا يزال 392 ممن احتجزتهم قوات النظام البائد مختفين قسراً، بينهم ثماني صحفيات، إلى جانب أربعة صحفيين أجانب.

 

وأضاف أن الشبكة وثقت ميدانياً هجمات مباشرة استهدفت الصحفيين ومقرات عملهم ووسائل تنقلهم، ضمن سلسلة الانتهاكات التي تعرض لها العاملون في المجال الإعلامي.

 

جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية

 

أكد عبد الغني أن القانون الدولي الإنساني يكفل حماية الصحفيين بوصفهم مدنيين، ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال القتالية، استناداً إلى القاعدة العرفية رقم 34 من دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي الصادرة عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وقرار مجلس الأمن رقم 2222 لعام 2015.

 

وأوضح أن تعمد استهداف الصحفيين قد يشكل جريمة حرب عند توافر أركانها القانونية، فيما يمكن أن ترقى جرائم القتل والتعذيب والإخفاء القسري إلى جرائم ضد الإنسانية، عندما تُرتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين.

 

وبيّن أن الانتهاكات التي ارتكبتها أجهزة النظام البائد بحق الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي تستوجب المساءلة القانونية، وملاحقة المسؤولين عنها وفق الآليات القضائية المعتمدة.

 

من التوثيق إلى ملفات الأدلة الجنائية

 

كشف مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن قاعدة بيانات الشبكة لم تعد تقتصر على تسجيل الانتهاكات، بل أصبحت تشكل أساساً لبناء ملفات أدلة جنائية يمكن الاستناد إليها أمام المحاكم الوطنية والدولية.

 

وأوضح أن هذه الملفات تتضمن معلومات تساعد على تحديد الوحدات العسكرية والأفرع الأمنية المتورطة في الانتهاكات، وتتبع تسلسل إصدار الأوامر والمسؤوليات المرتبطة بها.

 

وأكد أن تطوير ملفات التوثيق يهدف إلى دعم مسارات العدالة وملاحقة المتورطين، بما يسهم في منع الإفلات من العقاب وإنصاف الضحايا وذويهم.

 

انتهاكات أمنية وقضائية استهدفت الصحفيين

 

من جانبها، أوضحت عضو لجنتي المرأة والحقوق والحريات في نقابة المحامين المركزية، المحامية رهادة عبدوش، أن الصحفيين والصحفيات تعرضوا خلال سنوات الثورة السورية لانتهاكات ممنهجة، تداخلت فيها الملاحقات الأمنية مع الإجراءات القضائية التعسفية.

 

وبيّنت أن هذه الممارسات استهدفت تقييد العمل الصحفي ومنع الإعلاميين من كشف الحقائق وتوثيق الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين.

 

وأشارت إلى أن النظام البائد استغل أوجه القصور في التشريعات الإعلامية، ولا سيما عدم توفير الحماية الكافية لحرية التعبير، وإحالة الأفعال الإعلامية غير المشمولة بقانون الإعلام إلى قانون العقوبات العام.

 

ولفتت إلى أن النصوص القانونية الفضفاضة أتاحت استخدام اتهامات غير محددة لتبرير الاعتقالات والملاحقات بحق الصحفيين.

 

كما أوضحت أن قوانين الجرائم الإلكترونية تضمنت مفاهيم تفتقر إلى الضبط القانوني، من بينها تهمة «وهن نفسية الأمة»، التي استُخدمت، وفق توصيفها، غطاءً لملاحقة العاملين في المجال الإعلامي وتقييد حرية التعبير.

 

نقابة المحامين تدعم تحريك الدعاوى القضائية

 

أكدت عبدوش أن نقابة المحامين تتبنى، من خلال لجانها المختصة، استراتيجية قانونية لإنصاف الصحفيين والصحفيات ضحايا الانتهاكات، وتطوير جهود الدفاع والمناصرة.

 

وأوضحت أن النقابة تعمل على مسارين رئيسيين، يتمثل الأول في تدريب المحامين على الآليات القانونية المتقدمة لحماية الحقوق والحريات، بما يعزز قدرتهم على تمثيل الإعلاميين أمام جهات التحقيق والقضاء.

 

أما المسار الثاني، فيركز على التوعية والتمكين القانوني للصحفيات، وتعريفهن بحقوقهن الدستورية وآليات توثيق الانتهاكات والتعامل مع الضغوط والملاحقات.

 

وبيّنت أن النقابة تضع إمكاناتها القانونية في خدمة الصحفيين والصحفيات وذوي الضحايا الراغبين في تقديم الشكاوى وتحريك الدعاوى القضائية.

 

استشارات مجانية وقواعد بيانات للانتهاكات

 

أشارت عبدوش إلى تنظيم ورشات عمل متخصصة عبر فروع نقابة المحامين، بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني، لمناقشة آليات حماية الصحفيين وتطوير التشريعات المرتبطة بحرية العمل الإعلامي.

 

وأوضحت أن النقابة تسعى إلى تأسيس وحدات دائمة لتقديم الدعم القانوني، وتوفير استشارات مجانية للضحايا، إلى جانب بناء قواعد بيانات لتوثيق الانتهاكات.

 

وأضافت أن هذه الجهود تهدف إلى المساعدة في إعداد ملفات الادعاء وتحديد التوصيف القانوني للوقائع، بما يدعم ملاحقة مرتكبي الجرائم الجسيمة أمام الجهات القضائية المختصة.

 

وشددت على أهمية توفير بيئة عمل آمنة للصحفيين والصحفيات، ولا سيما الإعلاميات السوريات، وتعزيز الحماية القانونية لهن في مواجهة التهديدات والانتهاكات.

 

مناسبة دولية لمواجهة الإفلات من العقاب

 

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2013 الثاني من تشرين الثاني يوماً دولياً لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، بهدف تسليط الضوء على الانتهاكات التي يتعرض لها العاملون في المجال الإعلامي، وتعزيز الجهود الرامية إلى محاسبة المسؤولين عنها.

 

وتكتسب المناسبة أهمية خاصة في سوريا، في ضوء ما وثقته المنظمات الحقوقية من جرائم وانتهاكات بحق الصحفيين خلال الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2024، شملت القتل والتعذيب والاعتقال والإخفاء القسري، إضافة إلى التهديدات والمراقبة الرقمية وأشكال التضييق المختلفة.

 

وتبرز الجهود الحقوقية والنقابية الحالية أهمية الانتقال من توثيق الانتهاكات إلى إعداد ملفات قانونية قابلة للاستخدام أمام القضاء، مع توفير الدعم للضحايا وذويهم.

 

ويبقى تحقيق العدالة مرتبطاً باستكمال جمع الأدلة وحفظها، وتحديد المسؤوليات الفردية والمؤسسية، وتمكين الجهات القضائية المختصة من النظر في الجرائم، بما يضمن مساءلة مرتكبيها وحماية حرية العمل الصحفي ومنع تكرار الانتهاكات.

المزيد...
آخر الأخبار