من حمص إلى سوريا.. «جبر للعدالة والشفاء» تربط العدالة الانتقالية بالتعافي النفسي والمجتمعي

العروبة – خاص

افتتحت مؤسسة «جبر للعدالة والشفاء» مكتبها في مدينة حمص، في السابع عشر من تشرين الأول 2026، لتبدأ مرحلة جديدة من عملها الهادف إلى الربط بين العدالة الانتقالية والتعافي النفسي والاجتماعي، وتمكين الضحايا والناجين من الانتهاكات التي شهدتها سوريا خلال سنوات الثورة، وتعزيز مشاركتهم في بناء مستقبل البلاد.

وتنطلق المؤسسة السورية المستقلة، التي تأسست عام 2025، من رؤية تقوم على أن تحقيق العدالة لا يقتصر على المحاسبة القانونية وكشف الحقيقة، بل يشمل أيضاً الاعتراف بمعاناة الضحايا، واستعادة كرامتهم وحقوقهم، ومساعدتهم على تجاوز الآثار النفسية والاجتماعية للانتهاكات، تحت شعار «لا عدالة بلا شفاء».

وتتخذ المؤسسة من حي الدبلان في مدينة حمص مقراً لها، وتسعى إلى توفير مساحات للحوار والاستماع والتعافي وحفظ الذاكرة، بالتعاون مع متخصصين في القانون والصحة النفسية والإعلام والثقافة والعمل المجتمعي، ضمن رؤية تتطلع إلى توسيع تجربتها مستقبلاً إلى مناطق سورية أخرى.

فكرة وُلدت مع تحرير سوريا

تعود فكرة تأسيس «جبر» إلى الثامن من كانون الأول 2024، يوم سقوط النظام البائد وتحرير سوريا بيد أبنائها، عندما استضاف التلفزيون الكندي مؤسس المؤسسة ومديرها التنفيذي نضال عز الدين، للحديث عن مستقبل البلاد بعد سنوات طويلة من الانتهاكات.

وكان عز الدين يعمل آنذاك في الأبحاث الأكاديمية المتعلقة بالصحة النفسية في جامعة فيكتوريا الكندية، بالتوازي مع نشاطه الممتد لسنوات في مجال حقوق الإنسان والعمل الإنساني السوري.

وخلال المقابلة، طُرح عليه سؤال بشأن تطلعات السوريين للمرحلة المقبلة، فأكد أن العدالة للضحايا تمثل السبيل لخلاص سوريا وإعادة بناء هويتها، لكنها لا تقتصر على المحاكم والمحاسبة، بل تشمل استعادة الضحايا عافيتهم النفسية وكرامتهم وحقوقهم.

وقال عز الدين في تلك المقابلة: «العدالة للضحايا هي السبيل لخلاص سوريا وإعادة بناء هوية سورية جديدة. لكن العدالة بالنسبة إليّ ليست فقط المحاكم والمحاسبة؛ العدالة هي أيضاً أن يستعيد الضحايا الذين عانوا طوال هذه السنوات عافيتهم، وأن يصلوا إلى مرحلة التعافي والشفاء النفسي، وأن يستعيدوا كرامتهم وحقوقهم التي سُلبت منهم».

وشكلت هذه الرؤية نقطة انطلاق لفكرة مؤسسة تجمع بين المسارات القانونية للعدالة الانتقالية والاحتياجات النفسية والاجتماعية للضحايا والناجين.

وتطورت الفكرة بمساهمة الباحثة الأكاديمية ديمة العمري، الحاصلة على درجة الماجستير في الصحة النفسية، التي شاركت في بلورة العلاقة بين العدالة والتعافي من منظور نفسي وإنساني.

ومع تأسيس المؤسسة عام 2025، بدأ تشكيل فريق متعدد الاختصاصات، يجمع خبرات في الصحة النفسية والقانون والإعلام والثقافة والعمل المجتمعي، بهدف تحويل الرؤية إلى برامج وأنشطة عملية.

لماذا اختارت المؤسسة مدينة حمص؟

لم يكن اختيار حمص مقراً للمؤسسة مجرد قرار إداري أو ارتباط بمسقط رأس مؤسسها، بل جاء انطلاقاً من التجربة التي عاشتها المدينة خلال سنوات الثورة السورية، وما تعرض له سكانها من حصار وقصف واعتقال وتهجير وفقد ودمار.

وبحسب الوثيقة التعريفية للمؤسسة، تمثل حمص نموذجاً لكثير من التحديات التي تواجه المجتمع السوري في مرحلة ما بعد التحرير، ولا سيما التعامل مع آثار الانتهاكات، وإعادة بناء الثقة بين الناس، واستعادة الشعور بالأمان والانتماء.

وترى المؤسسة أن إعادة إعمار المدن السورية لا يمكن أن تقتصر على ترميم الأبنية والشوارع والبنية التحتية، بل ينبغي أن تشمل الإنسان وعلاقاته الاجتماعية وذاكرته وكرامته.

واختارت «جبر» حي الدبلان مقراً لها، بالقرب من ساحة الساعة التي تحمل مكانة خاصة في الذاكرة الجماعية لمدينة حمص منذ بدايات الثورة السورية.

وتطمح إلى أن يشكل مكتبها مساحة للقاء الضحايا والناجين والمتخصصين والشركاء، وتنظيم الأنشطة المجتمعية والثقافية، وإنتاج المحتوى الإعلامي، وتطوير تجربة يمكن الاستفادة منها في مناطق سورية أخرى.

العدالة والتعافي مساران متكاملان

تقوم فلسفة «جبر» على أن العدالة الانتقالية لا تكتمل بالمحاسبة القانونية وحدها، رغم أهميتها، بل تتطلب مسارات متكاملة تشمل كشف الحقيقة، وحفظ الذاكرة، وجبر الضرر، والتعافي النفسي والاجتماعي.

وتؤكد المؤسسة أن جبر الضرر لا يعني نسيان الانتهاكات أو تجاوزها أو مطالبة الضحايا بالتخلي عن حقوقهم، وإنما الاعتراف بما تعرضوا له، والسعي إلى استعادة حقوقهم وكرامتهم، وتوفير الظروف التي تساعدهم على التعامل مع آثار تجاربهم.

وتضع المؤسسة الضحايا والناجين في مركز عملها، بوصفهم أصحاب حقوق وتجارب وأصوات، وشركاء في بناء الحقيقة والمستقبل، وليسوا مجرد متلقين للمساعدة.

وتلتزم في أنشطتها بمبادئ الكرامة الإنسانية وعدم الإيذاء، وحماية خصوصية المشاركين، واحترام حق أصحاب الشهادات في الموافقة على مشاركة تجاربهم أو رفض ذلك، مع مراعاة الفئات الأكثر هشاشة والاختلافات بين تجارب النساء والرجال والأطفال والشباب وكبار السن وذوي الإعاقة.

من التعافي إلى القيادة المجتمعية

تعتمد المؤسسة منهجية عمل تحمل اسم «HEPTL»، تقوم على خمسة مسارات مترابطة تبدأ بالتعافي النفسي، وتمر بالتمكين والمشاركة والحقيقة وحفظ الذاكرة، وصولاً إلى القيادة المجتمعية.

ويركز مسار التعافي على مساعدة الإنسان في استعادة الشعور بالأمان والقدرة على التعامل مع آثار التجارب المؤلمة، فيما يستهدف التمكين تعزيز قدرته على التعبير واتخاذ القرار واستعادة دوره في المجتمع.

أما المشاركة، فتسعى إلى إتاحة المجال أمام الضحايا والناجين للمساهمة في القضايا والقرارات التي تخصهم، بالتوازي مع حفظ تجاربهم وشهاداتهم ضمن الذاكرة المجتمعية بصورة مسؤولة.

ويتمثل المسار الأخير في دعم الناجين وأفراد المجتمع ليصبحوا شركاء في صناعة الحلول وقيادة المبادرات المجتمعية، بدلاً من حصر حضورهم في تجارب الانتهاكات التي تعرضوا لها.

برامج إعلامية تربط الحقيقة بالتعافي

تعمل «جبر» على ترجمة رؤيتها من خلال مجموعة من البرامج الإعلامية والنفسية والثقافية والمجتمعية، التي تتناول قضايا العدالة والذاكرة والتعافي من زوايا متعددة.

ويبرز ضمن أنشطتها «جبر بودكاست: لا عدالة بلا شفاء»، الذي يقدمه نضال عز الدين بدعم من الصندوق الكندي للمبادرات المحلية.

ويتناول البرنامج تجارب الناجين والمتخصصين وقضايا الفقد والاعتقال والتهجير والصمت والهوية، والآثار النفسية والاجتماعية للانتهاكات، بهدف فتح نقاش مجتمعي يساعد على فهم التجارب الإنسانية وسبل التعامل معها.

وتؤكد المؤسسة أن تقديم هذه الشهادات لا يهدف إلى استعادة الألم أو استدرار التعاطف، بل إلى إتاحة المجال أمام أصحاب التجارب للتعبير عنها، مع مراعاة استعدادهم النفسي وخصوصيتهم وموافقتهم المستنيرة.

كما أطلقت المؤسسة في الثلاثين من أيلول 2026 برنامجها الأسبوعي «بعد الحقيقة»، الذي يتناول تجارب المجتمعات التي مرت بانتهاكات وتحولات تاريخية، ويربطها بالأسئلة المطروحة أمام المجتمع السوري.

ويركز البرنامج على ستة محاور تشمل الحقيقة والذاكرة والعدالة وجبر الضرر والهوية والشفاء والمصالحة، مع الاهتمام بقضايا سورية، منها أوضاع الموظفين الذين فصلوا من أعمالهم خلال سنوات الثورة، والشباب الذين تأثر تعليمهم وفرص عملهم نتيجة الانتهاكات والتهجير.

ويتولى إعداد البرنامج نضال عز الدين وراما الدقاق، فيما يتولى وسام العوض التقديم والإخراج.

الدعم النفسي والفن والثقافة

إلى جانب البرامج الإعلامية، تعمل المؤسسة على تطوير أنشطة للدعم النفسي المجتمعي، بالتعاون مع متخصصين، من خلال برنامج «مسارات التعافي»، الذي تقدمه بتول زيني.

ويركز البرنامج على التوعية بالآثار النفسية للتجارب المؤلمة، وتقديم محتوى مبسط حول الصحة النفسية، وتوفير مساحات للحوار والتعبير، إلى جانب الإحالة إلى الخدمات المتخصصة عند الحاجة.

وتوضح المؤسسة أن الدعم النفسي لا يشكل بديلاً عن المحاسبة القانونية أو جبر الضرر، وإنما يمثل مساراً مكملاً يساعد الإنسان على استعادة قدرته على التعامل مع آثار التجربة والمشاركة في الحياة.

وفي المجال الفني، تقدم المؤسسة برنامج «أثر ولون»، بإشراف راما الدقاق، الذي يستخدم الرسم والتعبير الإبداعي وسيلة للتعبير عن التجارب والمشاعر التي يصعب نقلها بالكلمات.

كما تنظم أنشطة ولقاءات ثقافية بإشراف عطا إبراهيم، بهدف توفير مساحات للحوار وتبادل الذاكرة وتعزيز التواصل بين أفراد المجتمع.

ورش مجتمعية وحفظ للذاكرة

تتضمن أنشطة المؤسسة ورشات عمل وحوارات مجتمعية تجمع الضحايا والناجين والمتخصصين في الصحة النفسية والقانون والإعلام والبحث العلمي.

وتركز هذه الورشات على التعامل المسؤول مع الضحايا، واحترام الاختلاف، وتجنب التنميط والأحكام المسبقة، والالتزام بأخلاقيات جمع الشهادات والتعامل مع التجارب الحساسة.

وتعمل «جبر» كذلك على تطوير مبادرات لحفظ الذاكرة المجتمعية، من خلال توثيق القصص والشهادات بصورة تراعي حقوق أصحابها وسلامتهم وخصوصيتهم.

وترى المؤسسة أن حفظ الذاكرة يمثل وسيلة للاعتراف بما حدث وتكريم الضحايا ونقل التجارب والدروس إلى الأجيال المقبلة، بما يسهم في مواجهة الإنكار ومنع تكرار الانتهاكات.

شراكات حقوقية ودعم دولي

تسعى المؤسسة إلى بناء شراكات مع المؤسسات الحقوقية والمتخصصين في الصحة النفسية والباحثين والأكاديميين والإعلاميين والمبادرات المجتمعية والجهات الدولية الداعمة.

وتشمل شراكاتها التعاون مع رابطة الحقوقيين السوريين الأحرار في المسارات الحقوقية المرتبطة بالعمل مع الضحايا، إلى جانب دعم الصندوق الكندي للمبادرات المحلية لمشروع «جبر بودكاست».

وتؤكد المؤسسة أهمية هذه الشراكات في تبادل الخبرات وتطوير البرامج وتعزيز وصول الأنشطة إلى المجتمعات المتأثرة بالانتهاكات.

ويتولى إدارة العمل الإعلامي في المؤسسة أحمد الحزوري، أحد عناصر الخوذ البيضاء خلال فترة حصار حمص، الذي يجمع في عمله بين تجربته الميدانية في المدينة والاهتمام بنقل شهادات الناس وحكاياتهم بصورة تحترم كرامتهم.

خطط للتوسع وتعزيز مشاركة الناجين

تضع «جبر» ضمن أولوياتها للمرحلة المقبلة توسيع برامج التعافي والدعم النفسي المجتمعي، وتطوير منصتها الإعلامية، وتعزيز البحث في العلاقة بين العدالة الانتقالية والصحة النفسية.

كما تسعى إلى بناء شبكة من المتخصصين والناجين والمبادرات المحلية، وتطوير برامج لحفظ الذاكرة، وتوفير فرص للتدريب والمشاركة والقيادة أمام الشباب والناجين.

وتتطلع المؤسسة إلى نقل تجربتها تدريجياً إلى مناطق سورية أخرى، مع مراعاة خصوصية المجتمعات المحلية واحتياجاتها المختلفة.

وتقر بأن معالجة آثار سنوات طويلة من الانتهاكات تتطلب عملاً مستمراً وثقة مجتمعية وشراكات واسعة، وأن مؤسسة واحدة لا تستطيع معالجة جميع هذه التحديات.

الإنسان في قلب العدالة

تؤكد مؤسسة «جبر للعدالة والشفاء» أنها لا تسعى إلى الحلول محل المؤسسات القضائية أو الحقوقية أو الصحية المتخصصة، وإنما إلى بناء جسور تربط بين مسارات عملها، بما يعزز فرص إنصاف الضحايا ودعم تعافيهم.

وتنطلق من قناعة بأن آثار الانتهاكات لا تنتهي بمجرد توقف العنف أو تغير الظروف السياسية، وأن تحقيق العدالة يرتبط أيضاً بمعرفة الحقيقة، واستعادة الحقوق، وتوفير الدعم للناجين وعائلات المفقودين والمهجرين، وإتاحة الفرصة أمامهم للمشاركة في بناء المستقبل.

ومن حمص، المدينة التي تحمل في ذاكرتها جانباً كبيراً من تجارب الثورة السورية، تسعى المؤسسة إلى تقديم نموذج يربط بين العدالة والتعافي، ويضع الإنسان وكرامته وحقوقه في مركز الجهود الرامية إلى بناء سوريا الجديدة.

المزيد...
آخر الأخبار
النشرة الرياضية: تألق حمصي في التايكواندو والشطرنج ومشاركة سورية في بطولة العالم بالإمارات من حمص إلى سوريا.. «جبر للعدالة والشفاء» تربط العدالة الانتقالية بالتعافي النفسي والمجتمعي خرائط أوروبية ترصد ارتفاع رطوبة التربة في سوريا.. ووزارة الطوارئ توضح دلالات المؤشرات اقتصاد العروبة: استقرار سعر الصرف وارتفاع الذهب وتحركات استثمارية في حمص تلوث نهر العاصي في حمص.. مصادر متعددة وخطط لمعالجة الصرف الصحي والحد من التدهور أكياس خارج الحاويات ونفايات على الأرصفة.. ممارسات يومية تزيد أعباء النظافة في حمص تفاوت أسعار المواد الغذائية في حمص.. أسر تقلص مشترياتها وتجار يوضحون الأسباب الآبار غير المرخصة تهدد المياه الجوفية في حمص.. إجراءات رقابية ومطالب بتشديد العقوبات الفيرمي كومبوست.. سماد عضوي يعزز خصوبة التربة ويخفف تكاليف الإنتاج الزراعي في اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب.. ملفات جرائم النظام البائد بحق الصحفيين السوريين أمام مسار...