بين الماضي والحاضر موسم الحصاد في حمص.. إرث اجتماعي تبدلت ملامحه

لم يكن موسم الحصاد في محافظة حمص مجرد مرحلة لجني محصولي القمح والشعير، بل كان مناسبة اجتماعية واقتصادية متجذرة في وجدان أبناء الريف، تتجسد فيها قيم التعاون والتكافل وصلة الرحم.

ومع دخول الآلات الزراعية الحديثة تبدلت ملامح هذا الموسم، وغابت الكثير من الطقوس والعادات التي منحته خصوصيته، لتحل مكانها السرعة والكفاءة، فيما بقي الحنين إلى تلك الأيام حاضراً في ذاكرة كبار السن.

و يستعيد العم أبو عبد الله أحد أبناء ريف حمص تفاصيل تلك الأيام قائلاً: كنا عندما يقترب موسم الحصاد  نشعر وكأن القرية كلها تستعد لعرس كبير. و كل فلاح يجهز منجله ويحرص على سَنّه، ومن يمتلك عربة يسارع إلى إصلاحها استعداداً لنقل المحصول إلى البيادر”.

ويضيف بحنين: كانت الأيام مليئة بالفرح لا يشعر أحد بالتعب، وإذا تأخر أحد المزارعين في حصاد أرضه، هبّ الجميع لمساعدته حتى ينتهي، فلم يكن أحد يُترك وحيداً.

ويؤكد أن روح التعاون كانت السمة الأبرز لذلك الموسم، إذ لم يكن العمل يقتصر على أصحاب الأراضي، بل كان جميع أبناء القرية يشاركون في مختلف مراحل الحصاد، بدءاً من قطع السنابل وحتى جمع المحصول.

وتابع: بعد انتهاء الحصاد كان المحصول يُنقل إلى البيادر، و تبدأ مرحلة درس المحصول وسط أجواء يشارك فيها الجميع، حتى الأطفال كان لهم دورهم جميل. ويتذكر أبو عبد الله أن  المزارعين كانوا يمنحون الأطفال (شُربة) من القمح مكافأة لهم، فيبيعونها ويشترون بثمنها الحلوى من محال القرية، ويعيشون فرحة لا تُنسى”.

ويشير إلى أنه بعد جمع الحبوب يُقسَّم المحصول بعناية لتأمين احتياجات الأسرة طوال العام، فيُخصص جزء منه لبذار الموسم المقبل، وجزء للطحن وصناعة الخبز، وآخر لإعداد البرغل، وبعض الموسم لعلف المواشي، مع الاحتفاظ بجزء احتياطي لمواجهة الظروف الطارئة.

ويؤكد أبو عبدالله أن العمل لم يقتصر  على الرجال، بل كانت النساء شريكات أساسيات في موسم الحصاد، إذ يتولين نقل المياه إلى الحقول، وتنقية القمح والشعير من الشوائب، ثم سلق القمح وتجفيفه على أسطح المنازل قبل نقله إلى الطاحونة لصناعة البرغل، ليعاد تجفيفه مرة أخرى تمهيداً لتخزينه وحفظه.

وعن واقع الحصاد اليوم يرى أبو عبد الله أن التطور التقني اختصر الوقت والجهد بشكل كبير  فاليوم تقوم الحصادة بحصد المحصول، وتجمع التبن، وتفرغ الحبوب مباشرة في الشاحنات، ثم تُنقل إلى الصوامع دون عناء كبير”.

ويشير إلى أن التقنيات الحديثة أسهمت في رفع كفاءة العمل الزراعي، لكنها في المقابل قلّصت مظاهر التعاون والتواصل الاجتماعي التي كانت ترافق موسم الحصاد.

ويختتم حديثه قائلاً: “صحيح أن العمل أصبح أسهل، لكن البركة والمحبة التي كانت تجمع الناس في موسم الحصاد لم تعد كما كانت”.

من جانبه أكد رئيس الرابطة الفلاحية في القصير المهندس أحمد المحمد، أن موسم الحصاد لم يكن مجرد عمل زراعي، بل مناسبة ينتظرها الجميع، إذ كانت القرى تتحول إلى خلية نحل تعج بالحركة والنشاط، وتتكاتف خلالها العائلات والجيران لإنجاز الحصاد، في صورة تعكس عمق العلاقات الاجتماعية التي ميّزت ريف حمص.

ولفت أن محافظة حمص تُعد من أبرز المحافظات السورية في المجال الزراعي، لما تتمتع به من تنوع مناخي وخصوبة في التربة، ووفرة في الموارد المائية، إضافة إلى اتساع رقعتها الزراعية الممتدة عبر مختلف مناطق الاستقرار الزراعي

وأسهمت هذه المقومات في نجاح زراعة العديد من المحاصيل الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح والشعير، اللذان شكّلا على مدى عقود ركيزة أساسية للأمن الغذائي، ومصدراً رئيسياً لدخل آلاف الأسر الريفية.

ويبقى موسم الحصاد في  حمص أكثر من مجرد مناسبة زراعية، فهو صفحة مضيئة من الذاكرة الشعبية، تجسد قيماً أصيلة من التعاون والتكافل والانتماء إلى الأرض. وبينما فرضت الآلات الحديثة إيقاعاً أسرع وأكثر كفاءة في إنجاز العمل، فإنها لم تستطع أن تعوض دفء العلاقات الإنسانية التي كانت تنسجها سنابل القمح بين أبناء القرية.

العروبة – هيا العلي

المزيد...
آخر الأخبار
النشرة الرياضية: تألق حمصي في التايكواندو والشطرنج ومشاركة سورية في بطولة العالم بالإمارات من حمص إلى سوريا.. «جبر للعدالة والشفاء» تربط العدالة الانتقالية بالتعافي النفسي والمجتمعي خرائط أوروبية ترصد ارتفاع رطوبة التربة في سوريا.. ووزارة الطوارئ توضح دلالات المؤشرات اقتصاد العروبة: استقرار سعر الصرف وارتفاع الذهب وتحركات استثمارية في حمص تلوث نهر العاصي في حمص.. مصادر متعددة وخطط لمعالجة الصرف الصحي والحد من التدهور أكياس خارج الحاويات ونفايات على الأرصفة.. ممارسات يومية تزيد أعباء النظافة في حمص تفاوت أسعار المواد الغذائية في حمص.. أسر تقلص مشترياتها وتجار يوضحون الأسباب الآبار غير المرخصة تهدد المياه الجوفية في حمص.. إجراءات رقابية ومطالب بتشديد العقوبات الفيرمي كومبوست.. سماد عضوي يعزز خصوبة التربة ويخفف تكاليف الإنتاج الزراعي في اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب.. ملفات جرائم النظام البائد بحق الصحفيين السوريين أمام مسار...