يافا دياب.. ريشة ترسم وجع الثورة وتحفظ الذاكرة السورية

العروبة – خاص
تحوّل الفنانة التشكيلية السورية يافا دياب اللون والريشة إلى مساحة تحفظ وجع السوريين وذاكرتهم، وتمنح قضايا الحرية والكرامة والصمود والأمل حضوراً بصرياً يتجاوز حدود اللوحة.
فمنذ اندلاع الثورة السورية، اتخذت تجربتها الفنية مساراً أكثر التصاقاً بالواقع، ووثقت في أعمالها جانباً من التحولات الإنسانية التي عاشها السوريون، ولامست قضايا الأطفال والنساء والمعتقلين والمختفين قسراً والمهجّرين والشهداء.
وواصلت دياب، المولودة في مدينة إدلب عام 1998، تطوير تجربتها في الرسم والغرافيتي والتصوير وصناعة المحتوى، انطلاقاً من إيمانها بأن الفن ليس مجرد ألوان وخطوط، وإنما لغة قادرة على التعبير عما تعجز الكلمات أحياناً عن قوله، ووسيلة لحفظ الذاكرة ونقل الحكاية الإنسانية إلى الأجيال المقبلة.
وأكدت الفنانة التشكيلية السورية يافا دياب، في حديث لـ«العروبة»، أن الفن التشكيلي أدى دوراً مهماً خلال الثورة السورية، واستطاع الوصول إلى العالمية بوصفه وسيلة لتوثيق مرحلة تاريخية وإنسانية عميقة، مشيرة إلى أن الفن «اختارها» بالتزامن مع اندلاع الثورة، وأنها اختارته بدورها، لأنه بالنسبة إليها «أسمى رسالة وبوابة لتسطير التاريخ وحفظ الذاكرة الثورية وحق التضحيات في ظل الحرب».
ووصفت الفن بأنه كان «نوراً في الظلام وبصيرة للتائهين عن الحق»، معتبرة أن الفنانين استطاعوا عبر أعمالهم نقل جانب من الأحداث والتحولات ومعاناة السوريين إلى العالم، وتحويل اللوحة والجدارية إلى وسيلة للتعبير عن الحرية والألم والصمود والأمل.
«عين الثورة».. حكايات خلف الأرقام
وتحتل لوحة «عين الثورة» مكانة خاصة في تجربة دياب، إذ شاركت بها في المعرض الجماعي الدولي «الفن بلا حدود من أجل السلام والدفاع عن حقوق الإنسان» في إيطاليا، وحصلت عنها في 18 حزيران 2022 على جائزة السلام الدولية للسلام والدفاع عن حقوق الإنسان.
وتحمل اللوحة، المنفذة بالألوان الزيتية، دلالات ترتبط بالثورة السورية وذاكرتها الإنسانية، إذ وظفت دياب العين بوصفها مساحة للرؤية والشهادة، فيما حضرت الأرقام والوجوه لاستحضار الشهداء والمعتقلين والمهجّرين والمفقودين، والتأكيد أن السوريين ليسوا مجرد أرقام، وإنما وراء كل اسم ورقم حكاية وذاكرة.
وترى دياب أن الحدث السوري لم يكن بالنسبة إليها موضوعاً فنياً عابراً، وإنما جزء من واقع عاشته وتأثرت به، وانعكس بصورة مباشرة على أعمالها، لتصبح اللوحة وسيلة لتجسيد الحقيقة وتوثيق الذاكرة الثورية ورواية القصص التي لم تُرَ، ومنح صوت لمن لم تصل حكاياتهم بالكلمات وحدها.
اللوحة ذاكرة بصرية
وتؤمن دياب بأن الرسومات والجداريات التي ظهرت خلال الثورة السورية شكلت أحد أشكال التوثيق البصري، وأصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية للسوريين، لما حملته من صور ومشاعر وقصص ارتبطت بمرحلة مفصلية من تاريخهم.
وتؤكد أن الفنان يتحمل مسؤولية حفظ ما عاشه الناس وتوثيقه، لأن العمل الفني قادر على البقاء شاهداً على مرحلة حتى بعد مرور سنوات طويلة، فاللوحة في تجربتها ليست مجرد سطح يحمل الألوان، وإنما وثيقة بصرية تحفظ ما قد يطويه النسيان، وتمنح الأجيال الجديدة نافذة على مرحلة تركت آثاراً عميقة في الوجدان السوري.
«تنزف الريشة والعين معاً»
وصفت دياب تجربتها في الرسم على الجدران المدمرة وتناول القصص المؤلمة بقولها: «أحياناً تنزف الريشة والعين معاً»، معتبرة أن مواصلة الرسم رغم الظروف القاسية شكل من أشكال الصمود ومحاولة للحفاظ على الذاكرة والتمسك بالأمل.
ولفتت إلى أن الفنانين واجهوا خلال سنوات الحرب تحديات متعددة، من القصف والنزوح إلى صعوبة توفير المواد والإمكانات الفنية والحفاظ على الأعمال من التلف أو الهلاك، فيما يضاف إلى ذلك الضغط النفسي الذي يرافق الفنان عند تناوله قضايا المعتقلين والشهداء والتضحيات.
أوضحت أن اللون والخط والصورة تستطيع حمل مشاعر يصعب التعبير عنها بالكلمات، مؤكدة أن هذه التحديات لم توقف تجربتها، وإنما منحتها مزيداً من القوة والإصرار على الاستمرار، ورسخت لديها الإيمان بقدرة الفن على تحويل الألم إلى أثر يبقى حاضراً بعد انتهاء الحدث.
كما بينت أن تفاعل الجمهور مع العمل الفني يتشكل عندما يجد المتلقي شيئاً من قصته أو ألمه أو أمله داخل اللوحة، مشيرة إلى أن بعض أعمالها منحت المتلقين الأمل بالنصر وتحرير المعتقلين، وهو ما جعل الفن بالنسبة إليها وسيلة للتواصل والتعبير والمساندة الإنسانية، وليس مجرد ممارسة جمالية.
رحلة فنية مستمرة
وتصف دياب تجربتها اليوم بأنها رحلة مستمرة من البحث والتجربة واكتشاف المعنى، بدأت بخطوات بسيطة في الرسم والمشاركة في الفعاليات والمعارض المحلية والدولية، قبل أن تتطور تدريجياً وتصل أعمالها إلى جمهور أوسع داخل سوريا وخارجها.
وتؤكد أن كل مرحلة مرت بها شكلت درساً جديداً أسهم في صقل خبرتها وشخصيتها الفنية، ورسخت لديها قناعة بأن الإبداع وصناعة الأثر يحتاجان إلى الصبر والعمل المستمر.
وتعمل دياب في مجالات الرسم المختلفة، إلى جانب فن الغرافيتي والتصوير وصناعة المحتوى، مستخدمة الفن مساحة للتعبير عن الأفكار والمشاعر والقضايا الإنسانية والوطنية التي تؤمن بها.
الواقع مصدر الإلهام
تستمد دياب أفكارها غالباً من الواقع الذي تعيشه والقصص الإنسانية التي تراها وتسمعها، إذ قد تبدأ الفكرة من إحساس أو موقف أو تفصيل صغير في الحياة اليومية، كما تستلهم أعمالها من الطبيعة وعلم النفس وأحلامها والتراث السوري، إضافة إلى مشاعر الفرح والألم والصمود التي يعيشها الإنسان.
وتستخدم في أعمالها القماش والألوان الزيتية والريشة، إلى جانب الغرافيتي وأساليب الرسم المختلفة، فيما تمنحها الجدران المدمرة مساحة أخرى للتعبير، ولا سيما في أعمال الغرافيتي، وترى أن هذه الأدوات تساعدها على تحويل المشاعر والأفكار إلى صورة بصرية يستطيع المتلقي الشعور بها والتفاعل معها.
أسلوب يتطور بالتجربة
وتوضح دياب أن أسلوبها الفني تطور تدريجياً مع تراكم التجارب والمشاركات والمواقف التي عاشتها وشاهدتها، إذ بدأ الرسم لديها مساحة للتعبير، قبل أن يتحول إلى وسيلة لحمل رسالة وتوثيق الذاكرة والتفاعل مع قضايا الإنسان.
وتواصل النظر إلى تجربتها بوصفها رحلة مفتوحة على البحث والتجريب، مستفيدة من التدريب الذاتي والممارسة المستمرة والتأمل، وساعية إلى تطوير أدواتها واكتشاف مساحات جديدة في الفن.
رسالة تتجاوز حدود اللوحة
تحترم دياب آراء الجمهور والنقاد، وترى أن التفاعل مع العمل الفني جزء أساسي من التجربة، لأن الفن يصل في النهاية إلى الناس ويحمل رسالة إليهم، مع حرصها على البقاء وفية للقضايا التي تؤمن بها ولرسالتها الفنية الخاصة، والاستفادة من الآراء المختلفة دون فقدان هويتها أو الهدف الذي تعمل من أجله.
وتواصل يافا دياب، بين اللون والذاكرة، رسم حكاية الإنسان السوري، مؤمنة بأن الفن قادر على حفظ الحقيقة ومنح الألم معنى، وإبقاء الذاكرة حية، لتظل اللوحة شاهداً بصرياً على مرحلة عاشها السوريون بكل ما حملته من ألم وصمود وأمل.
معد التقرير: هيا العلي

المزيد...
آخر الأخبار
من القصير إلى حماة.. محطة «ساريكو» تؤمّن مياه الشرب لنحو مليوني مواطن في 65 تجمعاً سكنياً الاتفاقيات السورية السعودية.. فرص استثمارية واعدة وسرعة التنفيذ تحدد أثرها الاقتصادي «بصمة».. مشروع تقني من حمص يحوّل الهواتف المحمولة إلى نظام ذكي لإدارة الحضور والانصراف والرواتب العروبة تتحقق: منشآت أثرية ظهرت بعد السيول.. مدير آثار تدمر يوضح تاريخ قناة وادي السوق سوريا والسعودية توقعان اتفاقيات قروض بـ403.6 ملايين دولار لدعم ستة قطاعات حيوية النشرة الرياضية: الكرامة يتجاوز النواعير في دوري السلة.. وتحضيرات سورية لاستحقاقات خارجية اقتصاد العروبة: الذهب يرتفع والدولار يستقر.. نشاط رقابي واستثماري وخدمي في حمص أسواق المدافئ في حمص.. أسعار مرتفعة وإقبال ضعيف مع اقتراب الشتاء بين الفرشاة والرسم الرقمي.. مي الحلواني تتحدث لـ«العروبة» عن مستقبل الفن التشكيلي وحضور الثورة السور... المعهد التقاني للصناعة التطبيقية بحمص يعزز التدريب العملي عبر 6 اختصاصات وشراكات صناعية