العروبة – خاص
تفتح الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي وقعتها سوريا والسعودية، الأربعاء 4 تشرين الثاني 2026، آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي والتنموي في قطاعات الطاقة والمياه والصحة والإسكان والبنية التحتية، إلى جانب الصناعة والزراعة والتحول الرقمي، وسط تساؤلات حول قدرتها على تحريك النشاط الاقتصادي وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات الأساسية.
وأكد الخبير في اقتصاديات الطاقة والابتكار الدكتور زياد عربش، في تصريح لمجلة «الاقتصادية»، أن أهمية هذه الاتفاقيات ترتبط بمدى القدرة على تحويلها إلى مشاريع فعلية، موضحاً أنها تمثل مرحلة تأسيس رسمية وجدية للتعاون بين البلدين، فيما يبقى الانتقال إلى التنفيذ العامل الحاسم في تحديد نتائجها الاقتصادية.
الطاقة والبنية التحتية في مقدمة الأولويات
أوضح عربش أن الاتفاقيات الست تستهدف قطاعات استراتيجية تشكل ركائز أساسية للتعافي الاقتصادي السوري، وفي مقدمتها الطاقة والبنية التحتية والخدمات العامة.
وأشار إلى أن مشروع إعادة تأهيل محطة حلب الحرارية يمثل أحد أبرز المشاريع المطروحة، نظراً لأهمية تحسين التغذية الكهربائية وتعزيز القدرة الإنتاجية، وما يمكن أن ينعكس عن ذلك على النشاطين الصناعي والخدمي.
وأضاف أن المشاريع تشمل توريد وتركيب عدادات المياه، وإعادة تأهيل المراكز الصحية، وإنشاء مراكز للدفاع المدني في عدد من المحافظات، إلى جانب تأهيل الوحدات السكنية المتضررة.
وبيّن أن مجالات التعاون تمتد إلى الصناعة والزراعة وحماية البيئة والتحول الرقمي والتطوير المؤسسي لوزارة المالية، بما يعكس تنوع القطاعات المستهدفة.
ورأى عربش أن طبيعة المشاريع تشير إلى توجه نحو تمويل يجمع بين الأبعاد الاستثمارية والتنموية، مع توزيع أدوار التنفيذ بين القطاعين العام والخاص، ومشاركة الصندوق السعودي للتنمية ووزارة الاستثمار.
مذكرات التفاهم والعقود التنفيذية
ميّز عربش بين مرحلتين أساسيتين في تقييم الاتفاقيات، تتمثل الأولى في مذكرات التفاهم التي تحدد الأطر العامة للتعاون والجهات المعنية والقطاعات المستهدفة، فيما تتعلق الثانية بالعقود التنفيذية التي تحول تلك التفاهمات إلى مشاريع محددة.
وأوضح أن توقيع مذكرة تفاهم أو إطار للتعاون لا يعني بالضرورة اكتمال الموازنات المالية أو تحديد جداول زمنية ملزمة أو اختيار الشركات المنفذة.
وأكد أهمية استكمال الملاحق التنفيذية والمالية، وإطلاق المناقصات، وتحديد مصادر التمويل وآليات الإشراف والتنفيذ، لضمان الانتقال من مرحلة التفاهمات إلى العمل الفعلي.
ولفت إلى أن البيروقراطية الإدارية والترتيبات التمويلية تشكلان من أبرز العوائق التي قد تؤخر تنفيذ المشاريع، ما يتطلب تسريع الإجراءات وتجاوز التعقيدات الروتينية.
فرص استثمارية لتحريك القطاعات الاقتصادية
رأى عربش أن المشاريع المدرجة ضمن الاتفاقيات تحمل إمكانات استثمارية مهمة، ولا سيما في قطاعات الطاقة والإسكان والبنية التحتية التي تحتاج إلى إنفاق رأسمالي واسع.
وأوضح أن تنفيذ هذه المشاريع يمكن أن يسهم في جذب تدفقات استثمارية وتنشيط قطاعات إنتاجية وخدمية متعددة، نتيجة ارتباط مشاريع البنية التحتية بسلاسل واسعة من الأنشطة الاقتصادية.
وأشار إلى أن الأثر الاقتصادي الفعلي لن يظهر بصورة واضحة قبل استكمال مراحل التمويل والتصميم وبدء التنفيذ، مؤكداً أهمية التمييز بين الفرص الاستثمارية المتوقعة والنتائج التي تتحقق على أرض الواقع.
قطاع البناء والتشييد وفرص العمل
بيّن عربش أن قطاع البناء والتشييد يُعد من القطاعات القادرة على استيعاب العمالة خلال تنفيذ مشاريع الإسكان والبنية التحتية، سواء بصورة مباشرة في مواقع العمل أو بصورة غير مباشرة في القطاعات المرتبطة بها.
وأوضح أن هذه المشاريع يمكن أن تنشط أعمال النقل وتوريد المواد الأولية والخدمات الهندسية، إلى جانب المهن والأنشطة المساندة لعمليات البناء والتأهيل.
وأشار إلى أن فرص التشغيل ترتبط بحجم المشاريع التي تدخل مرحلة التنفيذ وسرعة إطلاقها، وما تتطلبه من عمالة وتجهيزات وخدمات.
المشاريع الأقل تعقيداً لتسريع النتائج
دعا عربش إلى إعطاء الأولوية للمشاريع التي يمكن البدء بتنفيذها خلال فترات أقصر، بالتوازي مع استكمال التحضيرات الفنية والمالية للمشاريع الكبرى.
وذكر أن توريد عدادات المياه وتجهيز مراكز الدفاع المدني يمثلان مثالين على المشاريع الأقل تعقيداً، التي يمكن أن تسهم في تحريك النشاط الاقتصادي وتوفير فرص تشغيل خلال المدى القصير والمتوسط.
وأوضح أن اعتماد هذا المسار يتيح تحقيق نتائج عملية في بعض القطاعات، بالتزامن مع استكمال متطلبات المشاريع الكبيرة التي تحتاج إلى مراحل أطول من الإعداد والتصميم والتنفيذ.
سرعة التنفيذ تحدد الأثر الاقتصادي
أكد عربش أن الاتفاقيات السورية السعودية تمثل خريطة طريق إيجابية للتعاون الاقتصادي والتنموي، نظراً إلى ارتباطها بقطاعات أساسية تمس الحياة اليومية للمواطنين والنشاط الإنتاجي.
وأشار إلى أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب تحويل التفاهمات الرسمية إلى التزامات تعاقدية واضحة، تتضمن موازنات محددة وجداول زمنية وآليات تنفيذ وإشراف.
ورأى أن التحدي الرئيسي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تسريع الإجراءات الإدارية والتمويلية، وبدء العمل في المشاريع، بما يتيح انتقال نتائج الاتفاقيات إلى القطاعات الاقتصادية والخدمية.
وتبرز من قراءة عربش أهمية الانتقال المنظم من التوقيع إلى التنفيذ، إذ ترتبط فرص تحريك الاقتصاد وتوفير الوظائف وتحسين الخدمات ببدء المشاريع واستكمال مراحلها، ومدى قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة في الواقع الاقتصادي والمعيشي السوري.