معالم من حمص: قصر آل اليافي في حمص القديمة.. شاهد معماري على تاريخ المدينة وحياة عائلاتها

العروبة – خاص

يحفظ قصر آل اليافي، المعروف بدار آل اليافي، في حي باب الدريب بحمص القديمة، جانباً من الذاكرة المعمارية والاجتماعية للمدينة، بوصفه أحد البيوت التاريخية المرتبطة بحياة العائلات الحمصية، وما حملته هذه الدور من ملامح العمارة التقليدية وأنماط السكن والعلاقات الاجتماعية التي تشكلت عبر أجيال متعاقبة.

وأوضح الباحث رامي الدويري في تصريح لـ«العروبة» أن قصر آل اليافي يمثل أحد الشواهد على أصالة البيوت الحمصية القديمة، وما تتميز به من عناصر العمارة العربية والمشرقية، مشيراً إلى أن أهميتها تتجاوز الجانب المعماري لتشمل قيمتها التاريخية والثقافية ودورها في توثيق الحياة الاجتماعية للمدينة.

باب الدريب.. حي يحتفظ بملامح حمص القديمة

بيّن الدويري أن موقع القصر في حي باب الدريب، أحد الأحياء العريقة في حمص القديمة، يمنحه أهمية ضمن النسيج العمراني التاريخي الذي تميز بتقارب البيوت وترابط الحارات والأزقة.

وأشار إلى أن هذا التنظيم العمراني عكس طبيعة العلاقات الاجتماعية التي سادت بين السكان، القائمة على الجيرة والتواصل والتكافل، فيما ارتبط تصميم المنازل بمتطلبات الحياة الأسرية والحفاظ على الخصوصية.

وأوضح أن الفناء الداخلي المكشوف شكل عنصراً أساسياً في البيت الحمصي التقليدي، إذ كان مركزاً للحياة اليومية ومكاناً لاجتماع أفراد العائلة واستقبال الضيوف وإقامة المناسبات، مع توزيع الغرف والأجنحة بما يراعي خصوصية أفراد الأسرة والزوار.

وأضاف أن بعض البيوت ضمت إيواناً وغرف استقبال وأقساماً مخصصة للعائلة، بينما أسهمت الأزقة الضيقة والمتعرجة والواجهات الخارجية محدودة الفتحات في توفير الظل والحماية من العوامل المناخية والحفاظ على خصوصية الحياة الداخلية.

الأبلق والعقود الحجرية.. هوية العمارة الحمصية

لفت الدويري إلى أن العمارة التقليدية في حمص تميزت باستخدام الحجر البازلتي الأسود والحجر الكلسي الأبيض، وفق تقنية المداميك المتناوبة المعروفة باسم «الأبلق»، التي منحت الواجهات والمداخل والأقواس طابعاً معمارياً مميزاً.

وبيّن أن العقود الحجرية المدببة ونصف الدائرية شكلت إحدى السمات البارزة لهذه العمارة، لما جمعته من وظيفة إنشائية وقيمة جمالية، إلى جانب الأفنية الداخلية التي تتوسطها البحرات والعناصر النباتية، بما يساعد على توفير أجواء معتدلة داخل المنزل.

وأشار إلى أن بعض البيوت التاريخية احتوت على أسقف خشبية مزخرفة بأعمال العجمي والرسوم الهندسية والنباتية، ونوافذ مطلة على الأفنية الداخلية، إضافة إلى تفاصيل جصية ومعدنية عكست مهارة الحرفيين في استخدام المواد المحلية.

وتشكل هذه العناصر مجتمعة جزءاً من الخصائص المعمارية التي ميزت البيوت الحمصية القديمة، وأسهمت في تشكيل هويتها البصرية والعمرانية.

توثيق تاريخ القصر والبيوت العريقة

أكد الدويري أن دراسة تاريخ قصر آل اليافي وغيره من البيوت التاريخية تتطلب الاعتماد على مصادر متعددة، تشمل الوثائق العائلية ودفاتر المحاكم الشرعية القديمة والروايات الشفهية لكبار السن، إلى جانب الدراسات المعمارية والتاريخية.

وأوضح أن هذه المصادر تساعد على تحديد تواريخ تشييد المباني ومراحل توسعها والتغييرات التي طرأت عليها، وتوثيق صلتها بالعائلات التي سكنتها والأحداث الاجتماعية المرتبطة بها.

وأشار إلى أن عدداً من البيوت الحمصية شهد تحولات في الاستخدام مع تغير أنماط السكن وانتقال الأجيال، بعدما كانت مقراً للعائلات الممتدة ومركزاً للحياة الأسرية.

وأدت هذه التحولات، إلى جانب الإهمال وغياب الصيانة في بعض الحالات، إلى تهديد أجزاء من القيمة التاريخية والمعمارية لهذه المباني.

تحديات الترميم والحفاظ على المباني التاريخية

أوضح الباحث أن عدداً من البيوت التاريخية في حمص القديمة تعرض لتأثيرات الزمن والرطوبة وتسرب المياه، فضلاً عن الأضرار الناجمة عن الأحداث المتعاقبة، ما تسبب بتصدعات في بعض الجدران الحاملة وتضرر الأسقف الخشبية والعقود الحجرية.

وبيّن أن ترميم هذه المباني يواجه تحديات تتعلق بارتفاع التكاليف والحاجة إلى مهندسين متخصصين في ترميم الأبنية التاريخية، وحرفيين يمتلكون الخبرة في تقنيات البناء التقليدية.

وأضاف أن تعقيدات الملكيات المشتركة وتعدد الورثة قد تشكل عائقاً أمام اتخاذ القرارات المتعلقة بالصيانة والترميم وإعادة الاستخدام.

وشدد على أهمية إجراء مسح هندسي وفوتوغرافي وتاريخي شامل للبيوت التراثية، لتحديد طبيعة الأضرار ووضع أولويات التدخل، مع تنفيذ أعمال التدعيم الإسعافي للأجزاء المهددة.

وأكد ضرورة استخدام مواد ترميم متوافقة مع طبيعة البناء الأصلي، ومنها الحجر المحلي والمونة الكلسية، وتجنب التدخلات الحديثة التي قد تؤثر في الخصائص الإنشائية والمعمارية للمباني التاريخية.

إعادة إحياء القصور والبيوت التراثية

دعا الدويري إلى اعتماد رؤية متكاملة للحفاظ على قصر آل اليافي والبيوت التاريخية في حمص القديمة، تجمع بين التوثيق والترميم وإعادة الاستخدام، بما يضمن استمرار حضور هذه المباني في الحياة الثقافية والاجتماعية للمدينة.

واقترح دراسة إمكانية تحويل بعض البيوت، بعد ترميمها وفق الأصول الفنية، إلى مراكز ثقافية أو متاحف صغيرة للتراث المحلي أو بيوت لاستضافة الزوار، مع الحفاظ على هويتها المعمارية وخصائصها التاريخية.

وأشار إلى أن إعادة توظيف المباني التراثية يمكن أن تسهم في تعريف الأجيال الشابة بتاريخ المدينة، وتعزيز الاهتمام بالموروث العمراني والحرف التقليدية المرتبطة به.

ويظل قصر آل اليافي أحد الشواهد على الذاكرة المعمارية والاجتماعية لحمص القديمة، بما يمثله من ارتباط بين تاريخ العائلات وتطور النسيج العمراني للمدينة.

وتبرز أهمية توثيق هذه البيوت وترميمها في الحفاظ على خصائص العمارة الحمصية التقليدية، وصون ما تختزنه من شواهد على الحياة الاجتماعية والثقافية، مع إتاحة الفرصة لإعادة إحيائها ضمن المشهد الحضري للمدينة.

المزيد...
آخر الأخبار
منذ عام 1948.. عائلة «أبو شمسو الأبيض» تتوارث صناعة الحمص الشعبي في حمص معالم من حمص: قصر آل اليافي في حمص القديمة.. شاهد معماري على تاريخ المدينة وحياة عائلاتها من القصير إلى حماة.. محطة «ساريكو» تؤمّن مياه الشرب لنحو مليوني مواطن في 65 تجمعاً سكنياً الاتفاقيات السورية السعودية.. فرص استثمارية واعدة وسرعة التنفيذ تحدد أثرها الاقتصادي «بصمة».. مشروع تقني من حمص يحوّل الهواتف المحمولة إلى نظام ذكي لإدارة الحضور والانصراف والرواتب العروبة تتحقق: منشآت أثرية ظهرت بعد السيول.. مدير آثار تدمر يوضح تاريخ قناة وادي السوق سوريا والسعودية توقعان اتفاقيات قروض بـ403.6 ملايين دولار لدعم ستة قطاعات حيوية النشرة الرياضية: الكرامة يتجاوز النواعير في دوري السلة.. وتحضيرات سورية لاستحقاقات خارجية اقتصاد العروبة: الذهب يرتفع والدولار يستقر.. نشاط رقابي واستثماري وخدمي في حمص أسواق المدافئ في حمص.. أسعار مرتفعة وإقبال ضعيف مع اقتراب الشتاء