العروبة – خاص
يحافظ الحمص الشعبي على حضوره في الموروث الغذائي لمدينة حمص، بوصفه أحد الأطباق المرتبطة بعادات أهلها وذاكرتهم اليومية، بعدما تحولت صناعته لدى عدد من العائلات إلى مهنة توارثتها الأجيال، وحافظت من خلالها على أساليب التحضير والنكهات التي ميزت هذا الطبق الشعبي على مدى عقود.
ومن بين هذه العائلات، تبرز حكاية «أبو شمسو الأبيض»، الذي بدأ العمل في صناعة الحمص الشعبي عام 1948، مؤسساً مهنة عائلية استمرت لأكثر من سبعة عقود، وانتقلت من جيل إلى آخر، لتتوسع مع الأبناء والأحفاد إلى محال في حي باب عمرو بمدينة حمص، وأخرى في تركيا ومدينة جدة السعودية.
منذ عام 1948.. بداية الحكاية
روى حمزة، أحد أحفاد أبي شمسو الأبيض، في تصريح لـ«العروبة»، أن جده أسس هذه المهنة العائلية عام 1948، معتمداً في بداياته على أدوات بسيطة وأساليب تقليدية في إعداد الحمص الشعبي.
وأوضح أن العمل كان يعتمد على الطناجر الكبيرة والدق اليدوي، ما جعل عملية التحضير تتطلب جهداً بدنياً ووقتاً طويلاً، في ظل غياب الآلات الحديثة التي أصبحت تُستخدم لاحقاً.
وأشار إلى أن المهنة انتقلت من الجد إلى الأبناء والأحفاد، الذين واصلوا العمل فيها وحافظوا على الخبرة التي اكتسبتها العائلة عبر السنوات.
من الحبوب إلى الطبق.. مراحل التحضير
تبدأ صناعة الحمص الشعبي بانتقاء حبوب الحمص وغسلها ونقعها في الماء لساعات كافية، قبل سلقها في الطناجر الكبيرة حتى تنضج وتصبح طرية.
وتنتقل الحبوب المسلوقة بعد ذلك إلى مرحلة الدق والهرس، للحصول على قوام ناعم ومتجانس، ثم تُضاف الطحينة والليمون والثوم والملح، مع ضبط المقادير للوصول إلى النكهة المطلوبة.
ويُقدّم الحمص بعد تحضيره مع زيت الزيتون والتوابل والإضافات المختلفة بحسب الرغبة، في طبق ارتبط بالمحال الشعبية والموائد الحمصية.
الآلات الحديثة تختصر الوقت والجهد
بيّن حمزة أن أدوات صناعة الحمص شهدت تطوراً ملحوظاً مع مرور السنوات، بعدما دخلت الآلات الحديثة إلى مراحل التحضير التي كانت تعتمد سابقاً على العمل اليدوي.
وأوضح أن هذا التطور أسهم في تخفيف الجهد وزيادة الإنتاج وتسهيل العمل اليومي، مع استمرار الاعتماد على الخبرة المتوارثة في إعداد الحمص وضبط نكهته.
وأشار إلى أن العائلة حافظت على الأساس التقليدي للمهنة، رغم تغير الأدوات ووسائل الإنتاج، ما ساعد على استمرار العمل وانتقاله بين الأجيال.
من باب عمرو إلى تركيا وجدة
لم تتوقف مهنة صناعة الحمص الشعبي لدى عائلة أبي شمسو الأبيض عند محل واحد، إذ توسعت مع الأبناء والأحفاد لتشمل عدة محال، منها محال في حي باب عمرو بمدينة حمص، وأخرى في تركيا ومدينة جدة.
ويعكس هذا الامتداد استمرار ارتباط أفراد العائلة بالمهنة التي أسسها الجد، ونقل خبرتهم في تحضير الحمص الشعبي إلى الأماكن التي استقروا فيها.
وبقيت صناعة الحمص بالنسبة للعائلة حرفة متوارثة، تجمع بين الخبرة العملية والارتباط بتاريخها، رغم اختلاف أماكن العمل وتطور أدوات الإنتاج.
مهنة عائلية تحفظ جانباً من ذاكرة حمص
تجسد حكاية أبي شمسو الأبيض جانباً من تاريخ المهن الغذائية الشعبية في حمص، التي استمرت بفضل انتقال الخبرة بين أفراد العائلات، وقدرتها على التكيف مع تطور وسائل العمل.
فمن الطناجر والدق اليدوي عام 1948 إلى استخدام الآلات الحديثة، واصل الأبناء والأحفاد صناعة الحمص الشعبي، محافظين على مهنة ارتبطت باسم عائلتهم وذاكرة المدينة.
وتبقى هذه التجربة مثالاً على استمرار الحرف الغذائية التقليدية عبر الأجيال، وانتقالها مع أصحابها إلى مدن وبلدان أخرى، حاملةً جانباً من التراث الغذائي الحمصي ونكهاته المميزة.