العروبة – خاص
تحتفظ اللهجة الحمصية بمفردات وتعابير شعبية ارتبطت بالحياة اليومية لأبناء المدينة، وتناقلتها الأجيال في أحاديثها ومواقفها الاجتماعية، حتى أصبحت جزءاً من الذاكرة المحلية، بما تحمله من معانٍ خاصة وأساليب في المزاح والتواصل والتعبير عن المشاعر.
وقد تبدو بعض هذه الكلمات غريبة لمن يسمعها للمرة الأولى، لكنها مألوفة لدى كثير من الحمصيين، الذين يستخدمونها في وصف المواقف والأشخاص والأماكن، ضمن قاموس شعبي يعكس خصوصية اللهجة وتنوع مفرداتها.
«خشكر» و«دقدسنا».. كلمات من الحياة اليومية
إذا قال أحد المواطنين إنه «خشكر»، فالمقصود أنه عاد إلى منزله، أما عبارة «دقدسنا بالموضوع» فتعني البحث والتفتيش والتحري عن التفاصيل.
وتُستخدم عبارة «ما بيسايل» للدلالة على أن الأمر لا يستحق القلق أو الاهتمام الكبير، فيما تعني «شوية اللوخر» بعد قليل، و«خملت» حسبت أو ظننت.
ومن المفردات المتداولة أيضاً «ماني غضران»، التي يقولها الشخص عندما يكون غير قادر على تلبية طلب، و«زيح» التي تُستخدم لطلب الابتعاد أو إفساح المجال.
وتعكس هذه الكلمات طبيعة الحديث اليومي في حمص، حيث تختصر المفردة الواحدة أحياناً عبارة كاملة، وتمنح الكلام طابعاً محلياً مميزاً.
من «زابوء» إلى «شنططونا».. مفردات من ذاكرة الحارات
يستعيد أحد كبار السن في حمص مجموعة من الكلمات التي كانت حاضرة في الأحاديث الشعبية، ومنها «زابوء» التي تعني الممر الضيق، و«سلحبنا» بمعنى انسحبنا أو تراجعنا.
أما «شنططونا» فتُستخدم للتعبير عن التشريد والتنقل القسري من مكان إلى آخر، وهي كلمة تحمل دلالة مرتبطة بحركة الناس وانتقالهم.
وتُظهر هذه المفردات ارتباط اللهجة بالبيئة الاجتماعية والعمرانية للمدينة، وما شهدته من مواقف وتجارب انعكست على طريقة التعبير في الأحاديث اليومية.
«بلا كش» و«لا تنجلىء».. تعابير للمواقف والأشخاص
تضم اللهجة الحمصية عبارات تستخدم للتعليق على التصرفات والمواقف، إذ تعني «بلا كش» طلب التوقف عن الكذب، فيما تُقال «لا تنجلىء» لمن يُطلب منه ألا يأخذ الكلام على محمل الجد أو يمنحه اهتماماً كبيراً.
وتُستخدم عبارة «عم يزوغل» لوصف من يحاول الغش أو المراوغة، بينما تطلق كلمة «سرسري» على الشخص كثير المشكلات.
أما عبارة «يقبر بعضو» فتدل على ترك الأمر لصاحبه ليتصرف كما يشاء، فيما تُستخدم «طصيت قدامك» للإشارة إلى وقوع أمر أمام الشخص ومشاهدته له مباشرة.
وتحمل هذه التعابير جانباً من أساليب الحديث الشعبي، بما تتضمنه من اختصار للمعاني والتعليق على المواقف بطريقة مألوفة بين أبناء المدينة.
«جاموقة» و«زنبوط البصل».. أسماء بطابع حمصي
تمتد المفردات الحمصية إلى تسمية الأشياء والأطعمة والتفاصيل المنزلية، ومنها «جاموقة» التي تشير إلى حفرة في الأرض تتجمع فيها المياه، ويُطلق «زنبوط البصل» على لبّ البصل، فيما تعني «كماجي» رغيف الخبز.
أما كلمة «كباي» فتحمل معنيين بحسب سياق استخدامها، إذ قد تشير إلى قرص الكبة أو إلى الكأس.
ويعكس تعدد هذه التسميات تنوع المفردات المرتبطة بالحياة المنزلية والمأكولات والأشياء التي يستخدمها الناس في يومياتهم.
«الله يمنترك».. المحبة والدعاء باللهجة الحمصية
تحضر عبارات المحبة والدعاء في اللهجة الحمصية بصيغ شعبية مميزة، ومنها «الله يمنترك»، التي تُقال للتحبب، ويُرد أصلها في الرواية الشعبية إلى ورد المنتور، وتُستخدم أيضاً عبارة «الله يمنتر قطاطك» في سياق الدعاء وتمني الهناء والفرح.
وتعكس هذه التعابير حضور المودة في الحديث الشعبي، وما تتميز به بعض العبارات الحمصية من طرافة في اللفظ والمعنى.
مفردات تتوارثها الأجيال وتحتاج إلى التوثيق
تتسع قائمة الكلمات الحمصية لتشمل مفردات أخرى، منها «لسع» و«مصرطع» و«أريضة» و«مشلبن» و«مكربش» و«قطيشي»، وهي من الكلمات التي تستحق الجمع ودراسة معانيها وسياقات استخدامها.
ومع تغير أساليب الحديث بين الأجيال، بدأ استخدام بعض المفردات الشعبية يتراجع، ما يبرز أهمية توثيقها من خلال الروايات الشفهية لكبار السن، وجمع الكلمات والتعابير التي ارتبطت بالحياة اليومية في أحياء حمص وحاراتها.
ويمكن أن يسهم هذا التوثيق في حفظ جانب من التراث اللغوي المحلي، والتعريف بما تحمله المفردات من دلالات اجتماعية وثقافية، فضلاً عن رصد الاختلافات في استخدامها ومعانيها.
وتبقى اللهجة الحمصية جزءاً من الهوية الثقافية للمدينة، بما تختزنه من كلمات وتعابير توارثها أبناؤها عبر الأجيال، وحافظوا من خلالها على أساليبهم الخاصة في الحديث والمزاح والتواصل.
فبين «خشكر» و«دقدسنا» و«ما بيسايل»، تستمر حكايات حمص في مفردات أهلها، حاملةً تفاصيل من حياتهم اليومية وذاكرتهم الشعبية، ومؤكدةً أهمية الحفاظ على هذا الموروث اللغوي ونقله إلى الأجيال المقبلة.