العروبة – خاص
يواصل بعض كبار السن تحمل مسؤوليات إعالة أبنائهم وأحفادهم رغم تقدمهم في العمر وتزايد احتياجاتهم الصحية والمعيشية، بعدما فرضت عليهم ظروف أسرية واقتصادية صعبة أعباء إضافية تتجاوز أحياناً قدراتهم المادية والجسدية، ليجدوا أنفسهم أمام مسؤولية تأمين احتياجات أسرهم في مرحلة عمرية يحتاجون فيها إلى الراحة والرعاية.
وتكشف حالات أسرية عن معاناة أجداد اضطروا إلى مواصلة دور المعيل نتيجة وفاة أحد الأبناء أو إصابته بمرض يمنعه من تأمين احتياجات أسرته، وسط محدودية مصادر الدخل والدعم، وما يرافق ذلك من ضغوط نفسية واجتماعية تؤثر في حياتهم اليومية.
جدة تواجه المرض ومسؤولية رعاية الأحفاد
تتحمل السيدة (ف.ح)، وهي مسنة تعاني أمراضاً مزمنة، من بينها ارتفاع ضغط الدم، مسؤولية مساندة أسرة ابنها بعد وفاته، رغم ظروفها الصحية ومحدودية إمكاناتها المادية.
وتحاول الجدة تقديم ما تستطيع من دعم مادي ومعنوي لأحفادها، والمساهمة في تأمين بعض احتياجاتهم اليومية، إلى جانب احتوائهم والتخفيف من آثار فقدان والدهم.
وفي المقابل، تسعى زوجة الابن الراحل إلى إعالة أطفالها من خلال العمل في الزراعة والقيام بأعمال بسيطة لتوفير متطلباتهم الأساسية، فيما تواصل الجدة تقديم المساعدة والرعاية وفق قدرتها.
وتعكس هذه الحالة حجم المسؤوليات التي قد تتحملها بعض الجدات بعد فقدان المعيل، إذ تتداخل متطلبات رعاية الأحفاد مع احتياجاتهن الصحية والمعيشية.
في السادسة والسبعين.. مسؤوليات لا تتوقف
في حالة أخرى، يواصل السيد (ن.د)، البالغ من العمر 76 عاماً، مساندة أسرة ابنه المصاب بمرض مزمن، وتقديم ما يستطيع من دعم لتأمين احتياجاتها.
ورغم تقدمه في العمر وحاجته إلى الاهتمام بصحته، يجد نفسه أمام مسؤوليات أسرية إضافية، يحاول الوفاء بها وفق إمكاناته المادية.
وتبرز هذه الحالة جانباً من واقع كبار السن الذين تستمر مسؤولياتهم تجاه أبنائهم حتى مراحل متقدمة من العمر، ولا سيما عندما تحول الظروف الصحية أو الاقتصادية دون قدرة الأبناء على إعالة أسرهم.
ضغوط معيشية تنعكس على الصحة النفسية
تمتد آثار مسؤوليات الإعالة إلى الجوانب النفسية والاجتماعية لكبار السن، إذ يمكن أن يؤدي استمرار الضغوط المالية وتحمل أعباء تفوق الإمكانات إلى زيادة القلق والتوتر والتأثير في جودة الحياة.
ويشكل التفكير المستمر في مستقبل الأبناء والأحفاد، والخوف من المرض أو فقدان القدرة على تقديم المساعدة، مصدراً إضافياً للضغط النفسي.
وقد تترافق هذه المخاوف مع اضطرابات النوم والإرهاق والشعور بالتقصير عند العجز عن تلبية الاحتياجات الأسرية، ولا سيما في ظل محدودية الدخل وارتفاع المتطلبات المعيشية.
ورغم ما قد تمنحه مساندة الأبناء والأحفاد من شعور بالرضا والانتماء، فإن استمرار المسؤوليات دون دعم كافٍ قد يحولها إلى عبء يؤثر في الاستقرار النفسي والصحي للمسنين.
الاحتياجات الصحية أمام متطلبات الأسرة
قد تدفع الأعباء المعيشية بعض كبار السن إلى إعطاء الأولوية لتأمين احتياجات أسر أبنائهم على حساب متطلباتهم الشخصية، بما فيها الرعاية الصحية وشراء الأدوية ومتابعة العلاج.
وتزداد صعوبة هذا الواقع لدى المسنين الذين يعانون أمراضاً مزمنة أو يحتاجون إلى متابعة طبية مستمرة، في ظل محدودية الموارد المالية وتعدد الالتزامات الأسرية.
كما قد تؤثر مسؤوليات الإعالة في قدرتهم على المشاركة في الأنشطة الاجتماعية والتواصل مع الآخرين، عندما ينشغل معظم وقتهم بتدبير شؤون الأسرة وتأمين احتياجات الأبناء والأحفاد.
ويمكن أن يؤدي تراجع المشاركة الاجتماعية إلى زيادة الشعور بالعزلة، في مرحلة عمرية تبرز فيها أهمية التواصل والدعم الأسري والنفسي.
التكافل الأسري لتخفيف الأعباء
تسلط هذه الحالات الضوء على أهمية تعزيز التكافل بين أفراد الأسرة، وتقاسم مسؤوليات الإعالة وفق الإمكانات المتاحة، بما يخفف الضغوط عن كبار السن ويحافظ على صحتهم واستقرارهم.
وتبرز الحاجة إلى توفير أشكال مناسبة من الدعم المعيشي والصحي والنفسي للمسنين الذين يتحملون مسؤوليات أسرية إضافية، إلى جانب دور الجمعيات الأهلية والجهات المعنية في رصد الحالات الأكثر احتياجاً وتقديم المساندة لها.
كما يمثل دعم الأسر التي فقدت معيلها أو يعاني أحد أفرادها مرضاً مزمناً جانباً مهماً من معالجة هذه الحالات، بما يساعد على تخفيف اعتمادها على الأجداد محدودي الدخل أو الذين يعانون مشكلات صحية.
سنوات العمر المتقدمة وحق كبار السن في الرعاية
تكشف حالات الأجداد الذين يواصلون إعالة أبنائهم وأحفادهم عن تحديات معيشية واجتماعية تتطلب اهتماماً يتناسب مع طبيعة احتياجاتهم وظروف أسرهم.
وتتضاعف هذه التحديات عندما تجتمع الشيخوخة مع المرض ومحدودية الدخل، فيصبح تأمين الاحتياجات اليومية مسؤولية تثقل كبار السن وتؤثر في قدرتهم على الاهتمام بأنفسهم.
ويبقى تعزيز الدعم الأسري والاجتماعي والمؤسسي ضرورة لتخفيف هذه الأعباء، وضمان حصول كبار السن على الرعاية الصحية والمعيشية المناسبة، بعد سنوات أمضوها في العمل ورعاية أسرهم، بما يحفظ كرامتهم وحقهم في حياة مستقرة وآمنة.