من الحكواتي إلى الإنترنت.. المقاهي الحمصية بين إرث الماضي ونمط الحياة الحديث

العروبة – خاص
شكّلت المقاهي الشعبية لعقود طويلة جزءاً من الذاكرة الاجتماعية والثقافية لمدينة حمص، وارتبطت بالحارات والأسواق وطقوس اللقاء اليومي بين الناس، قبل أن تتغير أنماط الحياة وتتوسع المقاهي الحديثة بخدماتها وتصاميمها الجديدة، لتتراجع تدريجياً مساحات كانت ذات يوم ملتقى للأخبار والحكايات والنقاشات والعلاقات الاجتماعية المباشرة.
واستقطبت المقاهي الحديثة خلال السنوات الأخيرة شريحة واسعة من الشباب، مستفيدة من توفير الإنترنت والأجواء المريحة للعمل واللقاء وتعدد الخدمات، في وقت فقدت فيه المقاهي الشعبية جانباً من حضورها السابق، رغم ما تختزنه من تاريخ يرتبط بصورة المدينة وعادات سكانها.
وقال عضو الجمعية التاريخية السورية المهندس رامي الدويري، في تصريح لصحيفة «العروبة»، إن المقاهي الشعبية شكلت ركناً أصيلاً في الهوية الثقافية والاجتماعية للعديد من المدن العربية، ولم تكن مجرد أماكن لتقديم المشروبات، بل أدت دور «برلمانات مصغرة» ومنتديات التقى فيها الأدباء والصحفيون وعامة الناس لتبادل الأخبار ومناقشة شؤون الحياة.
واكتسبت تلك المقاهي أهميتها من طبيعة العلاقات التي نشأت داخلها، إذ تحولت إلى فضاء لتبادل الحكايات والأخبار المحلية، وشهد بعضها ولادة أفكار وأعمال أدبية وسياسية، فيما جمعت جلساتها المفتوحة مختلف شرائح المجتمع ضمن حوارات عفوية تجاوزت الألقاب والفواصل الطبقية.
وارتبط المقهى الشعبي في حمص بتفاصيل ميزت الحياة اليومية للمدينة، من طقوس صب القهوة العربية إلى ألعاب الطاولة التقليدية كالشطرنج والنرد، فضلاً عن حضور الحكواتي في مراحل سابقة، ليصبح ارتياده جزءاً من المشهد الاجتماعي والثقافي وليس مجرد مكان لتناول القهوة والشاي.
وأوضح الدويري أن بعض مقاهي حمص خلال النصف الأول من القرن الماضي كانت عبارة عن دكان واحد أو دكانين متلاصقين، ولا سيما في الحارات القديمة، وتوزعت بين المناطق الواقعة داخل السور الأثري وخارجه.
وضمت المقاهي المعروفة داخل السور «قهوة الحمام» في حي بني السباعي، و«قهوة الدباغة» في الحسبة، و«قهوة النصارى» في زقاق بني فركوح، و«قهوة الجمرة» قرب مقام أبي موسى الأشعري، إلى جانب «قهوة باعوصة» و«قهوة صليبة العصياتي».
وانتشرت خارج السور مقاهٍ أخرى، منها «قهوة المنظر الجميل» إلى الغرب من سينما حمص، و«قهوة الزهراوي» إلى الشرق من باب تدمر، و«قهوة بيهم» على طريق حماة، في الموقع الذي يشغله حالياً بناء قصر الحمراء.
وتغيرت مع مرور السنوات صورة المقهى ووظيفته، فبينما قامت المقاهي الشعبية على الحوار المباشر وقوة العلاقات الإنسانية، قدمت المقاهي الحديثة نموذجاً مختلفاً يستجيب لتحولات أنماط الحياة واحتياجات الأجيال الجديدة، ما انعكس على طبيعة الجلسات ووسائل التواصل بين روادها.
وأرجع الدويري تراجع المقاهي الشعبية إلى عدة عوامل، في مقدمتها انجذاب الأجيال الشابة إلى المقاهي الحديثة، وارتفاع تكاليف التشغيل وإيجارات العقارات في مراكز المدن القديمة والأسواق التراثية، إضافة إلى انتقال أعداد من السكان من المراكز التاريخية إلى الضواحي والأحياء الحديثة.
ولا يقتصر هذا التراجع على اختفاء أماكن ارتبطت بتاريخ المدينة، بل يمتد إلى انحسار نمط اجتماعي كامل قام على اللقاء المباشر والحوار والعلاقات اليومية، في ظل اتساع مساحة التواصل الرقمي وتغير العادات الاجتماعية.
واتجهت جهات ثقافية وتراثية، في المقابل، إلى توثيق المقاهي الشعبية التاريخية وحمايتها بوصفها جزءاً من ذاكرة المدن وتراثها الاجتماعي، من خلال إدراجها ضمن المسارات السياحية والثقافية، والحفاظ على طابعها المعماري وتشجيع الأنشطة الثقافية المرتبطة بها.
ويبقى مستقبل المقهى الشعبي في حمص مرتبطاً بقدرته على التكيف مع متطلبات العصر من دون التخلي عن هويته، فالحفاظ عليه لا يعني استعادة الماضي بصورته القديمة، بقدر ما يعني إبقاء مساحة اجتماعية حية تحفظ شيئاً من ذاكرة الحارات وعادات أهلها، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف إلى جانب من تاريخ مدينتهم.
معد التقرير: هيا العلي

المزيد...
آخر الأخبار