خطاب الكراهية لا ينتهي بانتهاء المعارك.. عائشة صبري تحذر من التضليل والتحريض الرقمي

العروبة – خاص

 

أكدت الصحفية عائشة صبري أن مواجهة خطاب الكراهية في المجتمع السوري تتطلب معالجة أسبابه التاريخية والاجتماعية والسياسية، وتعزيز العدالة الانتقالية والحوار والمسؤولية الإعلامية، محذرة من أن استمرار التحريض والتضليل عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي يهدد التماسك المجتمعي ويعمّق الانقسامات بين السوريين.

 

وأوضحت صبري، في تصريح خاص لـ«العروبة»، أن التصدي لهذه الظاهرة يستدعي تعاون المؤسسات الإعلامية والتعليمية والثقافية والدينية، إلى جانب رفع وعي المواطنين بمخاطر تداول المحتوى التحريضي، ولا سيما في ظل سرعة انتشار الأخبار والمعلومات المضللة عبر المنصات الرقمية.

 

جذور تاريخية وسياسية لخطاب الكراهية

 

أرجعت صبري جانباً أساسياً من أسباب انتشار خطاب الكراهية في سوريا إلى السياسات التي انتهجها نظام البعث منذ وصوله إلى السلطة عام 1963، ثم خلال حكم حافظ الأسد الذي بدأ عام 1971.

 

ورأت أن النظام البائد عزز الانقسامات الطائفية والمناطقية والطبقية، من خلال سياسات التمييز والتهميش وتوزيع النفوذ والامتيازات، ما أسهم، بحسب وصفها، في ترسيخ مظاهر الانقسام داخل المجتمع السوري على امتداد عقود.

 

وأشارت إلى أن اندلاع الثورة السورية في 15 آذار 2011 أدى إلى تفاقم هذه الانقسامات، مع تباين مواقف السوريين بين مؤيدين للنظام ومعارضين له، وما رافق ذلك من أحداث وانتهاكات عمّقت حالة الاستقطاب.

 

وأضافت أن المرحلة التي أعقبت التحرير شهدت تحديات مرتبطة بمحاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات، معتبرة أن التأخر في تطبيق العدالة الانتقالية، وغياب إجراءات العزل السياسي والاجتماعي بحق شخصيات ارتبطت بدعم النظام البائد، أسهما في استمرار التوترات وتغذية خطاب الكراهية.

 

استغلال أحداث الساحل والسويداء في التحريض

 

لفتت صبري إلى أن أحداث الساحل السوري في آذار 2025، وما أعقبها من أحداث في السويداء خلال تموز من العام نفسه، تحولت إلى مادة تستغلها جهات ومنصات إعلامية لتأجيج الانقسامات، رغم فتح تحقيقات رسمية واعتقال متورطين في تلك الأحداث.

 

وقالت إن بعض الخطابات الإعلامية والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي عمدت إلى توظيف هذه الوقائع لإثارة المخاوف وتعزيز الاستقطاب، إلى جانب تداول روايات تتعلق بخطف أفراد من الأقليات واستخدام تعبيرات تحريضية مرتبطة بها.

 

ورأت أن استمرار إعادة إنتاج هذه الروايات عبر المداخلات الإعلامية والمنشورات الشخصية والتفاعل مع الموضوعات الرائجة يسهم في توسيع انتشار خطاب الكراهية، ويزيد صعوبة معالجة آثاره داخل المجتمع.

 

الشعور بالمظلومية وتأثيره في الانقسام

 

أوضحت صبري أن الفئات التي تشعر بالمظلومية تُعد من أكثر الفئات تأثراً بخطاب الكراهية، ولا سيما عندما يجري استثمار هذا الشعور في نشر روايات مضللة أو تأجيج الانقسامات.

 

.

 

ورأت أن بعض الفئات التي فقدت امتيازات كانت تتمتع بها خلال حكم النظام البائد لجأت، بحسب تقديرها، إلى توظيف خطاب المظلومية وتعزيزه من خلال التضليل الإعلامي.

 

وحذرت من أن خطورة خطاب الكراهية تكمن في استمرار تأثيره بعد انتهاء المواجهات، إذ يمكن أن يترك آثاراً طويلة الأمد في الوعي الجمعي والعلاقات بين أفراد المجتمع.

 

وأكدت أن سرعة انتشار الخطاب العاطفي مقارنة بالخطاب العقلاني تؤدي إلى إضعاف القدرة على الحوار، وتراجع مساحة النقاش العام، فضلاً عن تطبيع أشكال من العنف اللفظي والرمزي التي قد تسبق العنف المادي.

 

حرية التعبير لا تعني التحريض

 

شددت صبري على ضرورة التمييز بين خطاب الكراهية وحرية التعبير، مؤكدة أن الآراء الحادة والانتقادات القاسية لا تُعد بالضرورة خطاب كراهية.

 

وأوضحت أن نقد الأفكار والسياسات والسلوكيات يختلف عن استهداف الأشخاص أو الجماعات بسبب هويتهم، مشيرة إلى أهمية الحفاظ على حق الأفراد في التعبير والنقد، بالتوازي مع رفض التحريض والتمييز.

 

وأكدت أن هذا التمييز يمثل أساساً مهماً في التعامل مع المحتوى الإعلامي والرقمي، حتى لا تتحول مواجهة خطاب الكراهية إلى تقييد للنقاش المشروع أو وسيلة لمنع النقد.

 

«الكلمة تبني».. التوعية في مواجهة التحريض

 

رأت صبري أن حملة «الكلمة تبني» الحكومية تمثل إحدى الأدوات المهمة للتوعية بمخاطر خطاب الكراهية وتعزيز المسؤولية المجتمعية في التعامل مع المعلومات والمحتوى المتداول.

 

وأشارت إلى أهمية تركيز الحملات التوعوية على توضيح الفروق بين النقد والتحريض، وكشف المعلومات المضللة، وتشجيع المستخدمين على تبني ممارسات مسؤولة عند النشر والمشاركة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

 

وأكدت أن مواجهة خطاب الكراهية تحتاج إلى عمل توعوي مستمر، يسهم في تعزيز ثقافة الحوار والاحترام، ويحد من تداول المحتوى الذي يستهدف الأفراد والجماعات أو يؤجج الانقسامات.

 

خوارزميات التواصل تعزز انتشار المحتوى المثير

 

أوضحت صبري أن منصات التواصل الاجتماعي، رغم دورها في كسر احتكار الرواية الرسمية وإتاحة المجال أمام تعدد الأصوات، أسهمت في تسريع انتشار المحتوى التحريضي والمثير للانقسام.

 

وأشارت إلى أن خوارزميات هذه المنصات تمنح المحتوى القائم على الإثارة والاستفزاز فرصاً أكبر للوصول والتفاعل، بينما قد يجد المحتوى المتزن الذي يعتمد على المعلومات والتحليل العقلاني صعوبة في تحقيق الانتشار نفسه.

 

ولفتت إلى أن تغليب العاطفة على التحقق والتفكير النقدي يجعل المستخدمين أكثر عرضة للتفاعل مع الأخبار المضللة وإعادة نشرها، ما يزيد من تأثير خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي.

 

الإعلام والمؤسسات التعليمية والدينية أمام مسؤولية مشتركة

 

حمّلت صبري الصحفيين والمؤسسات الإعلامية مسؤولية أساسية في مواجهة خطاب الكراهية، من خلال تكثيف النشر المسؤول والتحقق من المعلومات وتجنب المحتوى الذي قد يسهم في التحريض أو تعميق الانقسام.

 

وأكدت أهمية دور وزارة الإعلام في إعداد برامج توعوية عبر قنواتها الرسمية، بما يساعد على نشر ثقافة التحقق وتعزيز المسؤولية في التعامل مع الأخبار والمحتوى الإعلامي.

 

كما أشارت إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه المنابر الدينية في تشكيل الوعي العام، بالتوازي مع مسؤوليات وزارات الثقافة والتربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي والأوقاف.

 

ودعت إلى تنظيم الندوات والأنشطة التوعوية والاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي لنشر ثقافة الحوار والاحترام، وتعزيز التواصل بين مختلف فئات المجتمع.

 

الأطفال واليافعون.. أولوية في برامج التوعية

 

شددت صبري على ضرورة الاهتمام بالأطفال واليافعين في برامج مواجهة خطاب الكراهية، باعتبارهم من الفئات الأكثر تأثراً بالمحتوى المتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

 

وأكدت أهمية توعية الأهالي والمعلمين بمخاطر التنمر والتحريض، والعمل على تنمية قدرة الأطفال على التمييز بين المحتوى المسؤول والخطاب الذي يشجع على الكراهية أو الاستهداف.

 

ودعت إلى ترسيخ قيم الاحترام وقبول الآخر داخل الأسرة والمدرسة، وربطها بالقيم الأخلاقية والدينية، وتعليم الأطفال واليافعين عدم الانجرار وراء المنشورات العاطفية أو التحريضية.

 

واعتبرت أن الاستثمار في توعية الأجيال الناشئة يشكل جزءاً أساسياً من الجهود الرامية إلى الحد من انتشار خطاب الكراهية وآثاره المستقبلية.

 

ضغطة مشاركة قد تتسبب في أذى الآخرين

 

وجهت صبري رسالة إلى مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي والصحفيين، دعتهم فيها إلى عدم التسرع في إعادة نشر الأخبار والمقاطع الصوتية والمرئية قبل التحقق من صحتها.

 

وحذرت من جعل الإعجابات وزيادة التفاعل هدفاً يتقدم على المسؤولية تجاه المجتمع والأشخاص الذين قد يتضررون من المحتوى المنشور.

 

ونبهت إلى أن عملية نسخ منشور وإعادة نشره قد تبدو بسيطة، لكنها قد تؤدي إلى إلحاق الأذى بأشخاص آخرين أو التسبب بمشكلات كان بالإمكان تجنبها من خلال التحقق والتريث.

 

وأكدت أهمية التفكير في النتائج المحتملة لأي منشور قبل مشاركته، ولا سيما عندما يتعلق بقضايا حساسة أو يتضمن اتهامات ومعلومات قد تؤثر في سمعة الأفراد أو سلامتهم.

 

التحقق من المصادر قبل إعادة النشر

 

دعت صبري إلى الاعتماد على المصادر والحسابات الرسمية عند متابعة الأخبار، والرجوع إلى الجهات المعنية مباشرة للتحقق من صحة المعلومات والبيانات المتداولة.

 

وأوضحت أن الأخبار والبيانات الصادرة عن المؤسسات والجهات الرسمية يمكن مراجعتها عبر حساباتها المعتمدة على منصات التواصل الاجتماعي، بدلاً من الاكتفاء بما تنشره الصفحات غير الرسمية.

 

وشددت على ضرورة التأكد من مصدر أي بيان أو خبر قبل إعادة نشره، وعدم الاعتماد على الحسابات التي تعيد تداول المعلومات دون توثيق، كما دعت المستخدمين إلى الحد من تأثير الصفحات التي تنشر معلومات مضللة أو محتوى تحريضياً، من خلال إلغاء متابعتها أو حظرها.

 

ويبقى التحقق من المعلومات قبل نشرها، والتمييز بين النقد المشروع والتحريض القائم على الهوية، وتوعية الأطفال واليافعين، من أبرز الخطوات التي دعت إليها صبري للحد من خطاب الكراهية وتعزيز التماسك المجتمعي

المزيد...
آخر الأخبار
البطم الأطلسي في بادية حمص.. غياب المسوحات يعرقل حماية الأشجار وتحديد مواقع انتشارها معالم من حمص: قصر الحير الشرقي في بادية حمص.. شاهد على تطور العمارة الأموية وتكيفها مع البيئة الصحرا... خطاب الكراهية لا ينتهي بانتهاء المعارك.. عائشة صبري تحذر من التضليل والتحريض الرقمي الخوذ البيضاء في ذكراها الثانية عشرة.. مسيرة إنسانية بدأت تحت القصف وتتواصل في إدارة الكوارث الموارد المائية بحمص تعيد تأهيل أقنية ري واحة تدمر لخدمة 50 ألف نسمة الظاهرية بريف حمص الشمالي.. خدمات أساسية غائبة ومشاريع تأهيل تنتظر التمويل وسط تصاعد التوغلات في درعا والقنيطرة.. العفو الدولية تدعو لإجراءات دولية ضد إسرائيل بعد 14 عاماً على حصار بابا عمرو.. لقاء يجمع طبيب الثورة والمصور الفرنسي ويليام دانييلز صحة حمص لـ«العروبة»: اللقاحات تحمي الأطفال من شلل الأطفال.. واليونيسف تصل إلى 771 ألف طفل النشرة الرياضية: 18 ميدالية لملاكمات حمص وتأهل حمص الفداء آسيوياً