«حمودي استشهد يا أبو زكور».. حكاية شهيد سبقت شهادته زفافه وعادت قصته إلى حمص مع إعلان توقيف المتهم بقتله
العروبة – خاص
عادت حكاية الشهيد محمد محمود صبيحة، المعروف باسم «حمودي»، إلى الواجهة خلال فعالية «طريق العدالة» التي شهدها المركز الثقافي بمحافظة حمص، اليوم الاثنين، بعد الإعلان عن القبض على المتهم بقتله خلال معارك «ردع العدوان»، وتكريم عائلته بحضور محافظ حمص ومسؤولين أمنيين وممثلين عن وزارتي الدفاع والداخلية.
وأعادت الفعالية إلى الذاكرة التسجيل الصوتي الذي انتشر عقب استشهاد حمودي، حين نقل والده خبر رحيله بعبارة «حمودي استشهد يا أبو زكور»، في كلمات بقيت مرتبطة بقصة الشاب الذي شارك في معارك الثورة السورية، وكان يستعد للزواج قبل أن تنتهي حياته على جبهات القتال.
وخلال الفعالية، ألقى والد الشهيد كلمة استحضر فيها تضحيات السوريين، ووجّه رسالة إلى رئيس الجمهورية دعا فيها إلى تحقيق العدالة ورعاية أسر الشهداء وفتح أبواب الأمل أمام الشباب، مؤكداً أهمية بناء دولة القانون والحرية التي ضحّى أبناؤهم من أجلها.
من هو الشهيد حمودي؟
محمد محمود صبيحة، المعروف أيضاً باسم محمد أبو ضهور، شاب من ريف إدلب الشرقي، عُرف بين رفاقه باسم «حمودي»، وشارك في المعارك التي شهدتها مناطق شمال غربي سوريا خلال سنوات الثورة.
وكان من المقاتلين الذين يتقدمون خطوط المواجهة ويشاركون في المهام القتالية الخطرة، إذ شارك في التصدي للعمليات العسكرية في ريفي إدلب وحلب.
وعرف والده طبيعة الدور الذي يؤديه ابنه في المعارك، وما يرافق وجوده في الخطوط الأمامية من مخاطر، لكنه ظل يتابع أخباره حتى تلقى نبأ استشهاده خلال معارك «ردع العدوان».
معارك ردع العدوان.. الرحيل في ريف حماة
ارتبط اسم حمودي بمعارك «ردع العدوان»، التي شهدت مواجهات عسكرية مع قوات النظام البائد وكان ضمن المجموعات الإنغماسية المتقدمة على خطوط القتال.
وبحسب رواية رفاقه عقب استشهاده، شارك محمد في مهمة ميدانية خطرة، قيل إنه تقدم خلالها بدبابة بمفرده باتجاه ثكنة عسكرية بهدف فتح ثغرة في خطوط قوات النظام البائد، بعدما تعطلت حركة بقية الآليات، قبل أن تنتهي المهمة باستشهاده وقيام عناصر من قوات الأسد بتصفيته وتصوير جثمانه.
ما بقي حاضراً في ذاكرة كثير من السوريين، فكان صوت والده الذي نقل خبر استشهاده بكلمات جمعت بين الحزن والاعتزاز، وانتشرت حينها على مواقع التواصل وبقيت عبارته «حمودي استشهد يا أبو زكور» خالدة تجسد معنى التضحية والفخر والفقد في آن واحد.
زفاف لم يكتمل
خلف قصة المقاتل الذي استشهد في المعركة، كانت هناك حياة أخرى يستعد محمد لبدئها، فقد كان مقبلاً على الزواج، ويتطلع إلى تأسيس أسرة ومشاركة أحبائه فرحة انتظرها، لكن استشهاده سبق موعد زفافه، لتنتهي الاستعدادات التي كان يعيشها إلى ذكرى مؤلمة لدى عائلته وأقاربه.
وأصبحت هذه التفاصيل جزءاً من حكايته الإنسانية، إذ لم يعد اسمه مرتبطاً بمشاركته في المعارك وحدها، وإنما أيضاً بحلم شخصي لم يتحقق، وبأسرة كانت تنتظر الاحتفال بزواجه قبل أن تتلقى خبر رحيله.
«حمودي استشهد يا أبو زكور».. تسجيل بقي في الذاكرة
عقب استشهاد محمد، انتشر تسجيل صوتي لوالده وهو ينقل الخبر إلى شخص يُدعى أبو زكور، وقال الأب في التسجيل: «حمودي استشهد يا أبو زكور»، قبل أن يضيف: «حمودي بالجبهة الأولى.. وراسي مرفوع».
واختصرت عباراته مشاعر أب فقد ابنه، لكنه استحضر وجوده في مقدمة خطوط المواجهة، معبّراً عن اعتزازه به رغم قسوة الفقد، وتداول السوريون التسجيل على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، كما تناولت وسائل إعلام محلية قصة حمودي وتفاصيل حياته، لتتحول كلماته الأخيرة في ذاكرة والده إلى حكاية إنسانية ارتبطت بمعارك «ردع العدوان».
من تسجيل الفقد إلى فعالية «طريق العدالة»
بعد مرور الوقت، عادت قصة حمودي إلى الواجهة خلال فعالية «طريق العدالة» في حمص، التي شهدت تكريم عائلته والإعلان عن القبض على المتهم بقتله، وحضر والد الشهيد الفعالية، وألقى كلمة عبّر فيها عن مشاعر أسر الشهداء، مستحضراً أبناءهم الذين فقدوا حياتهم خلال سنوات الثورة، وما تركه رحيلهم من ألم لدى عائلاتهم.
واستهل كلمته بالآية القرآنية: «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون»، قبل أن يتحدث عن معاني الكرامة والحرية التي خرج السوريون للمطالبة بها.
وأكد أن تضحيات الشهداء ارتبطت بالسعي إلى حياة كريمة، بعيداً عن الظلم والخوف، مشدداً على ضرورة الحفاظ على المبادئ التي ضحّوا من أجلها.
رسالة إلى السوريين.. حافظوا على الكرامة والحرية
وجّه والد حمودي في كلمته رسالة إلى السوريين، دعا فيها إلى التمسك بالقيم التي حملتها الثورة، وفي مقدمتها الإخلاص والكرامة والحرية، وقال إن الشهداء تركوا للأجيال أمانة الحفاظ على هذه المبادئ، مؤكداً أهمية عدم التفريط بها مهما كانت التحديات.
واستحضر معاناة أمهات الشهداء وآبائهم، وما تحملته العائلات من فقد وغياب خلال سنوات الثورة، مشيراً إلى أن ذكرى أبنائهم ستبقى حاضرة في وجدان أسرهم، وأضاف في كلمته: «اشتقنا لضحكاتكم، لأصواتكم، لجلوسكم معنا، ولكننا والله فخورون بكم».
وتعهد باسم أهالي الشهداء بالحفاظ على ذكراهم ونقل قصصهم إلى الأبناء والأحفاد، مؤكداً أن تضحياتهم يجب أن تبقى حاضرة في مسيرة بناء سوريا.
والد حمودي يخاطب رئيس الجمهورية
في جانب آخر من كلمته، وجّه والد الشهيد رسالة مباشرة إلى رئيس الجمهورية العربية السورية، طالب فيها بإيلاء أسر الشهداء والمضحين الاهتمام الذي يتناسب مع ما قدموه خلال سنوات الثورة.
وقال مخاطباً الرئيس: «نحن أهالي الشهداء، وعوائل المضحين، وأبناء هذا الوطن الجريح، نرفع إليك هذه التوصية بكل حب ووفاء»، ودعا إلى رعاية أمهات الشهداء وآبائهم، ولا سيما العائلات التي فقدت معيلها وتواجه ظروفاً معيشية صعبة.
وأكد أن الوفاء لتضحيات الشهداء يتطلب الاهتمام بأسرهم، وصون كرامتهم، وتوفير الدعم الذي يساعدهم على مواجهة أعباء الحياة.
العدالة أساس بناء الدولة
شكّل مطلب تحقيق العدالة محوراً أساسياً في رسالة والد حمودي، إذ دعا إلى بناء دولة تقوم على القانون وتحفظ حقوق المواطنين، وقال في كلمته: «ونوصيك بالعدل؛ فالعدل هو أساس الملك، به تُبنى الأوطان»، مؤكداً أن تحقيق العدالة يمثل ضمانة لعدم ضياع حقوق الضحايا، وأضاف: «نريد دولة القانون، نريد دولة الحرية التي حلم بها شهداؤنا».
وتكتسب هذه المطالب دلالة خاصة في ظل الإعلان عن توقيف المتهم بقتل ابنه، إذ يرتبط تحقيق العدالة بإجراء التحقيقات اللازمة وتحديد المسؤوليات وفق الأدلة والأحكام القضائية المختصة، كما تعكس رسالة الأب تطلع أسر الضحايا إلى مسار قضائي يكشف الوقائع ويضمن المحاسبة، في إطار دولة القانون والمؤسسات.
الشباب بين فرص العمل ومخاطر الهجرة
لم تقتصر رسالة والد الشهيد على المطالبة بالعدالة ورعاية أسر الضحايا، بل تناولت أيضاً مستقبل الشباب السوري، ودعا إلى فتح أبواب العمل والعلم والأمل أمام شباب الثورة، بما يتيح لهم المشاركة في بناء وطنهم، ويحد من اضطرارهم إلى الهجرة بحثاً عن فرص أفضل.
وأكد أهمية توفير الظروف التي تساعد الشباب على الاستقرار والمساهمة في إعادة بناء البلاد، باعتبارهم جزءاً أساسياً من مستقبل سوريا، كما شدد على ضرورة أن تكون الدولة المنشودة قائمة على الحرية والكرامة والمحبة، وأن تتسع لجميع السوريين.
وقال مخاطباً رئيس الجمهورية: «نحن لا نطلب المستحيل، نطلب فقط أن يكون هذا الوطن كما حلم به شهداؤنا؛ وطناً حراً كريماً عزيزاً، يحكمه العدل وتسوده المحبة، وطناً للجميع».
حكاية حمودي بين الذاكرة والعدالة
أعادت فعالية «طريق العدالة» قصة حمودي من ذاكرة التسجيل الصوتي الذي انتشر عقب استشهاده إلى واجهة الحديث عن حقوق الضحايا ومحاسبة المتهمين بارتكاب الجرائم خلال سنوات الثورة.
فالشاب الذي لم يكتمل زفافه، وارتبط اسمه بكلمات والده المؤثرة، بقي حاضراً في ذاكرة عائلته، قبل أن يعود الحديث عنه مع الإعلان عن توقيف المتهم بقتله.
وبين حزن الأب على ابنه واعتزازه به، حملت كلمته في حمص رسالة تتجاوز قصته الشخصية، لتعبّر عن مطالب أسر فقدت أبناءها وتنتظر العدالة، وعن أمل بأن تتحول التضحيات إلى دولة تحفظ الحقوق وتصون الكرامة وتفتح أمام السوريين طريقاً إلى المستقبل.