في إطار الجهود الوطنية لإحياء المدن التاريخية في سوريا، وترسيخ مكانتها ضمن المشروع التنموي الشامل، يمثل التخطيط الاستراتيجي أداة محورية لتجاوز آثار الدمار وتعويض الأضرار المادية والبشرية التي لحقت بالمدن القديمة خلال سنوات الثورة، وتعمل وزارة الثقافة عبر ورشات عمل متخصصة على صياغة رؤى بعيدة المدى تعيد الاعتبار لهذه المدن، وتوظفها كقيمة إنسانية واقتصادية.
وفي هذا الصدد، بينت معاونة وزير الثقافة لشؤون التراث والآثار لونا رجب خلال محاضرة لها بعنوان “التأهيل والترميم الاستراتيجي للمدن التاريخية في سياقات ما بعد الحرب” ضمن ورشة /إطار التخطيط الوطني الاستراتيجي لسوريا 2050/، والتي نظمها المنتدى الأكاديمي السوري للابتكار والتعليم والبحث والإصلاح (سفير)، بالتعاون مع المجلس الدولي للمعالم والمواقع (إيكوموس – سوريا) ونقابة المهندسين، أن المدن التاريخية تعرّضت خلال سنوات الثورة لتحديات معقدة، بدءاً من الدمار الذي طال العديد من المواقع الأثرية، مروراً بفقدان الكفاءات المتخصصة في مجالات الترميم، وصولاً إلى التراجع في العدالة المكانية والاجتماعية، الأمر الذي انعكس سلباً على دور هذه المراكز وأدى إلى تهميشها.
وأكدت رجب أن النظام البائد يتحمّل المسؤولية الكبرى عن التدهور الذي أصاب التراث الثقافي، من خلال سياسات ممنهجة اتسمت بتقليص الموازنات المخصصة للتراث وتغييب المجتمع المحلي والجمعيات الأهلية عن جهود الحماية، ما فاقم حجم الأضرار وجعل مهمة النهوض أكثر صعوبة.
وشدّدت رجب على أن التعامل مع المدن التاريخية لا يمكن أن يتم عبر حلول جزئية أو خطط قصيرة الأمد، بل من خلال رؤية استراتيجية طويلة المدى تنطلق من الوعي بأهمية الهوية الثقافية ومكانتها في الذاكرة الجمعية للسوريين.
وفي تصريح لـ سانا، أوضحت رجب أن وزارة الثقافة وبتوجيه من الوزير محمد ياسين الصالح، تعمل حالياً على صياغة رؤية استراتيجية متكاملة تعيد لهذه المدن قيمتها الحضارية، وتحوّلها إلى رافعة اقتصادية وإنسانية لكل سوريا، انطلاقاً مما تميز به السوري عبر التاريخ من قدرة على الإبداع والبناء والتجدد.
وتُعد المدن التاريخية في سوريا من أبرز الشواهد على الحضارة الإنسانية، حيث تعرضت خلال سنوات الثورة لأضرار واسعة طالت مبانيها وأسواقها التقليدية، وأدت إلى نزوح أهلها وفقدان كوادرها المتخصصة في الترميم، الأمر الذي زاد من حجم تحديات الحفاظ عليها، وفي المقابل تعمل الدولة اليوم على إحيائها من خلال خطط استراتيجية بعيدة المدى توازن بين قيمتها الثقافية ودورها التنموي والاقتصادي.