شهدت مدينة القصير حراكًا خدميًا متصاعدًا بالتزامن مع عودة الأهالي إلى منازلهم بعد سنوات طويلة من النزوح والمعاناة، في ظل جهود كبيرة تُبذل لإعادة تأهيل البنى التحتية التي دمّرها نظام الأسد البائد خلال سنوات الثورة، وتشمل هذه الجهود تنفيذ سلسلة من المشاريع الخدمية المتنوعة، أبرزها مشروعات الصرف الصحي، والإنارة، وترميم المدارس، والإيواء.
مشروع الصرف الصحي: استجابة لحاجة ملحّة
وكشف طارق حصوة، رئيس مجلس مدينة القصير، في تصريح لصحيفة “العروبة”، عن تفاصيل المشاريع التي تُنفّذ حاليًا في المدينة ضمن خطة إعادة الإعمار، مشيرًا إلى الأهمية الكبرى لمشروع الصرف الصحي بالنسبة لأهالي المدينة، الذين عانوا لفترات طويلة من مشكلات الشبكة نتيجة التخريب الذي لحق بها أثناء الثورة.
وأوضح أن المشروع بدأ قبل حوالي ثلاثة أسابيع، بتمويل مشترك من منظمة “عطاء الإنسانية” والمنظمة الدنماركية، ويتضمن تنفيذ أعمال تسليك وتعزيل الخطوط وغرف التفتيش، واستبدال المتضرر منها في كامل أرجاء المدينة.
وبيّن حصوة أن نسبة التخريب والردم في غرف التفتيش “الريغارات” وصلت إلى نحو 60%، ما أدى إلى انسداد في الشبكة وارتداد المياه الملوثة إلى قرابة 30% من منازل السكان، موضحًا أن تنفيذ المشروع بدأ في 15 كانون الأول 2025، وقد بلغت نسبة الإنجاز حتى الآن أكثر من 25%، وسط توقعات بإنهائه خلال ستة أشهر فقط، أي قبل ثلاثة أشهر من المدة المقررة، وذلك بسبب النشاط المكثف في التنفيذ.
وأشار إلى أن تكلفة المشروع الذي تتولى تنفيذه منظمة “عطاء” تبلغ حوالي 216 ألف دولار، وهي تمثل 85% من إجمالي كلفة المشروع، بينما تنفّذ المنظمة الدنماركية النسبة المتبقية.
وأكد حصوة وجود ارتباط وثيق بين إنجاز المشروع وعودة الأهالي إلى منازلهم، لافتًا إلى أن عدداً منهم اضطر إلى إخلاء مساكنه مجددًا بعد عودته الأولى، نتيجة مشكلات البنية التحتية، وعلى رأسها مشكلة الصرف الصحي.
ترميم المنازل: جهود داعمة لاستقرار السكان
أضاف حصوة أنه وبالتوازي مع مشروع الصرف الصحي، تعمل منظمات إنسانية على تمويل مشاريع ترميم منازل الأهالي، مشيرًا إلى أن مشروع ترميم 90 منزلًا شارف على الانتهاء، وهو من تنفيذ منظمة “رعاية الطفل” بالتعاون مع منظمة “اليونيسف”، وقد انطلق العمل فيه في الشهر العاشر من العام الماضي، وتضمّن صيانة شبكات المياه، والصرف الصحي، والكهرباء، إلى جانب الأعمال الضرورية في الأبواب والنوافذ، وغيرها بحسب حاجة كل منزل.
وأشار لـ “العروبة” إلى أن الأهالي بادروا بتسجيل طلباتهم منذ فترة، وقامت المنظمة باختيار المنازل المستهدفة وفق دراسات ميدانية تناولت واقع المنازل وحاجة أصحابها، مع إعطاء الأولوية للأسر الأكثر احتياجًا.
كما لفت إلى أن المنظمة الدنماركية تُجري حاليًا عمليات تقييم للبدء بتنفيذ مشروع جديد يهدف إلى ترميم 100 منزل آخر في المدينة، يشمل نفس الأعمال التي تنفذها باقي المنظمات، مؤكدًا أن المنظمة المذكورة تنفّذ حاليًا مشاريع حيوية أخرى في القصير، من بينها مشروع الصرف الصحي، والإيواء، ومشروع تجهيز بئر مياه في منطقة الدمينة الشرقية، وتبلغ الكلفة الإجمالية لهذه المشاريع نحو 400 ألف دولار.
قطاع التعليم: إعادة تأهيل المدارس المتضررة
وفيما يخص قطاع التعليم، أوضح رئيس مجلس المدينة أن هذا القطاع كان من أكثر القطاعات تضررًا بسبب قصف النظام البائد أثناء الثورة، مبينًا أنه من أصل 23 مدرسة كانت موجودة في المدينة، بقيت 6 فقط في الخدمة. وأشار إلى أنه تم افتتاح مدرستين مع بداية العام الدراسي الحالي، فيما يجري العمل حاليًا على ترميم 14 مدرسة أخرى.
وبين أن منظمة “غراس الخير الإنسانية” بدأت ترميم 6 مدارس، في حين شرعت منظمة “عطاء” في تنفيذ مشروع لترميم 5 مدارس أخرى، كما التزمت منظمة “الهلال الأحمر السوري” بترميم مدرسة واحدة، وتعهدت كل من المنظمة الفنلندية ومنظمة “NRP” بترميم مدرستين.
وبدأت بالفعل الأعمال في هذه المشاريع، وتشمل أعمالًا إنشائية وتجهيز مستلزمات كاملة للصفوف الدراسية، مشيرًا إلى أن الخطة تستهدف دخول كافة مدارس مدينة القصير في الخدمة مع بداية العام الدراسي المقبل.
الكهرباء والنظافة: تحديات قائمة تنتظر حلولًا
وعن واقع قطاع الكهرباء، ذكر حصوة أن المدينة لا تزال تعاني من نقص شديد في شبكة الكهرباء، وخاصة في الحيين الشمالي والشرقي، اللذين يفتقران بشكل تام إلى الشبكة، ما يدفع الأهالي للاعتماد على الطاقة الشمسية والمدخرات بحسب قدراتهم المعيشية، في حين تقتصر جهود شركة الكهرباء حاليًا على أعمال الصيانة الروتينية في الأحياء الأخرى، دون أي مشاريع جديدة في المناطق المتضررة.
وفيما يخص قطاع النظافة، أشار حصوة إلى أن المعاناة ما تزال قائمة بسبب ضعف الإمكانيات، حيث تعتمد البلدية على سيارة ضاغطة واحدة وشاحنة صغيرة فقط في أعمال جمع النفايات من المدينة، ما يشكل عبئًا كبيرًا في ظل اتساع الرقعة الجغرافية للمدينة وعودة المزيد من الأهالي، مما يزيد الضغط على البنى التحتية والخدمات.
ويمثل التقدم الملموس في مشاريع الإيواء والمدارس والصرف الصحي، مؤشرًا على بداية انفراج حقيقي بعد سنوات من المعاناة، ويعكس حرص الجهات المعنية في المحافظة على دعم عودة الأهالي، من خلال التنسيق والتعاون مع المنظمات الإنسانية للاستمرار في معالجة التحديات المتبقية، خاصة في قطاعي الكهرباء والنظافة، لما لهما من تأثير مباشر على جودة الحياة واستقرار المجتمع، وضمان النجاح الكامل لمسيرة إعادة الإعمار وعودة المهجّرين إلى مدينة القصير.
العروبة – يحيى مدلج