تحية الصباح .. بين الأمس و اليوم

إن الحياة تتجدد , تتجدد فصولاً في الطبيعة , و أجيالاً في تعاقب عصور , و أحداثاً في تدرج حقب وخبرات قناعات ورؤى وثقافات تفاعل بين معرفية تثاقف حضارات , وتواصل إنسان بذاته بحثاً معرفياً ومبادرة مهارات , ومع غيره غنى ما يكتنز به أيضاً من سعة في مدارات جنبات الحياة .
وتتجدد الحياة في ثنائية التقدم البشري علوماً وتقانة واكتشافات ونمطاً وقوانين , وفي التطور الصناعي والمادي بأشكاله .. أجل هي الحياة نزوع دائم صوب الأمام . فالإنسان قديماً سكن الكهوف وحفر في الأرض فقطن منازلها لينتبه لاحقاً أن التراب الذي كان نتاج الحفر يمكن أن يصير لبنات فأخذ يعمر بها مداميك مسكن ليسكن فوق الأرض منازل و أبراجاً وناطحات سحاب , إلى أن راح يتطلع إلى ارتياد الفضاء …
أجل هكذا درب الإنسان في توازٍ مع شلال الزمان اتجاهاً أحادي الجانب صوب المستقبل , وهكذا تتدافع فعل الحياة في مقاربة صروف الأيام وتتالي الثواني في مهاد الأفكار واتساع التصورات وامتداد الغايات وبلوغ المآرب كلية الأمنيات جزئية الواقع لكنها تسلسل فقرات في رسائل هواجس كلماتها في مسامع عباراتها , وأنماط السلوك في مطالع الطرق خطوات , ومطالع الطرائق أنموذجات تحوك كياسة التفكير في دراية كل أمر يفضي إلى حسن تدبر , وسعادة تأويل ضمن راحة بال في طمأنينة تفسير , وهدوة حال .
لكن السعي الدؤوب للإنسان .. استهلاكاً من جانب والنابغ إنتاجاً في جوانب طرق أبواب التكيف مسار وجوده عبر التاريخ من غير أن ينسى قيمته تعاضداً بغيره , إذ لا قيمة لتفرد لا غير مدى في تكاملية رزانة وعي واتقاد وجدان وفق جمالية الحضور إنسان إلى إنسان .
لذلك كان الخطاب دعوة شراكة في مكين تكامل , ورقي تواصل , وحفاوة استقواء على متاعب حياة أو مسار درب , وقد تدانى سفر أو تهادى شراع أمر تفاؤل في ومضة فرح أو تهامست أجفان ببليل دمع …
فكم كان « الرفيق قبل الطريق » مسامرة مسافرين في طريقهما ربح حضور إلى زاد حضور وكم كان « غربال » يأتي به آخر ليغدو له اليوم وللآخرين في باقي الأيام حتى لكأنه يحث سؤال وقد صار استدارة حلقة مفرغة لا يعرف أين طرفاها .. أين صار و إن سأل صاحبه ربما يكون في عيون غيره ما جاء في غربال نعيمة « مَن غربل الناس نخلوه» عتاباً بين أهل و أحباب فالعادات والتقاليد تؤكد التماهي في أدق التفاصيل في مداورة هم أو غم ضمن متسع واقع معيش علاقات صلة الرحم يضاف إليها واقع حال مشترك في السراء والضراء إذ الفروق الفردية تختصرها متاعب آلام وفسحات آمال تتشربها الحقول وتتنهد بها التخوم فتغدو الآهات مكثفة « ببنت جبل » صدى الصوت .
وحتى في تدرج الأعمار تتآخى الأبوة مع الأحفاد وقناعات وقيماً و أنماطاً سلوكية فالدار جامعة ومناقبية السجايا حازمة وفضاء « الأنا الأعلى » اجتماعياً مرجعية القول الفصل حال الأمواه المنتشية زروعاً ووروداً أعلى محددات ضفاف .
فالتجدد سمة الحياة , و الحياة بثراء نتاجاتها وغنى ابتكاراتها وتداخل المنافع المادية على حساب المثل ربحت فيها رهان الحضور على محفزات ظروف منفتحة الأوداج أمام قيم تتواجد الوجد انكسار حال وقد اكتظت منابت الواقع بكثير من وافدات أفكار و أنماط سلوك ما اعتادها الواقع المألوف حتى صار الاغتراب تباعد صلة رحب على تقارب مكان يمد فساحته بين فرد و آخر , إذ صار لكل عالمه الأبعد عبر تقانة معولمة على حساب قرب دار في حيثيات دار ورؤى قناعات وتجليات عواطف وسرح انفعالات لتروح جمالية الألفة المعهودة سابقاً من طاقة ورد تجمع من الحقول إلى البيادر إلى القناعات والرؤى لتصير هلاكاً في تبعية تتجاوز الأسرة ضمن « ثقافة مضادة» ترى في وجنتها ما يفوق لدى الأصل لكأن الفضاء الأرحب هو الأدفأ معرفياً وتطلعات و الأقرب واقعاً لا يملأ سداد الحاجات ومرتسم القناعات .
لا شك أن الإنسان مسكون بالعصر والعصر مسكون فيه لكن دسم القطوف الدانيات , ونتاجات كل الإبداعات والعبقريات حالها حال امتداد و أغصان مكين ثباتها سرح نسقها في مرامي تجذرها .

نزار بدور

المزيد...
آخر الأخبار