تحية الصباح .. من الذّاكرة 13

في ثمانينات القرن الماضي اتّصل بي مسؤول في اتحاد الكتاب العرب بدمشق، وأبلغني أنّ سيارة سوف تأتي إليّ لتأخذني مع آخرين للقيام بنشاط في مدينة الرقّة، دمّر الله مَن كان سبب تدميرها، وبعد ترتيب كيف سنلتقي، جهّزت نفسي ، وكنتُ محبّا للسفر، لاسيّما إلى المناطق الشرقيّة، لسبب يمكن أن أخمّن فيه، دون أن أستطيع الجزم، فربّما كانت بعض السنوات التي قضيتها قريبا من الفرات، وعلى ضفافه، وربّما كانت الأثواب التي يرتديها الناس، وخاصّة النساء، فهي تفرد في الذّاكرة بساط البدايات،الضّاجّة بالفرح، وربّما لأنّ وطني يقع في الجهة الشرقيّة، وربّما لأنّ الغرب غروب، عدا عن الغرب المتصهين الذي هو وراء كلّ الكوارث التي نزلت بنا.
كانت السيارة من نوع شيفروليه وفيها صفّان من المقاعد وراء السائق.
السّائق يبدو عليه أنّه يصطنع التجهّم، ربّما ليبسط هيبته بيننا، قاد السيارة عبر طريق السلميّة الرقّة، ولم يكن يطرقه إلاّ القليل فلم يكن صالحا للسير المريح،هذه الأرض الممتدة تستدعي انفتاح رحابات النفس، وكانت ذات يوم بهجة العين، وهي منذ أن أصبحت أمطار البلاد شحيحة تشكو الجفاف، وتفتقد ضجيج الحياة إلاّ فيما ندر، بعض القرى التي مررنا قربها كانت ماتزال فيها أبنية القباب الطينيّة، الحنونة، والتي انعدمت بعد توفّر الاسمنت الصلد الحادّ الزوايا، بين الحين والآخر كنّا نتحدّث إلى هذا السائق الذي أضاف إلى تجهّمه المفتعل مايوحي أنّه على صلة بالمسؤولين ،وصلنا إلى مدينة « الثورة»، وهي مدينة بُنيت حديثا بعد إنشاء بحيرة الأسد، وشوارعها كلّها مستقيمة، وعريضة، وأمام كلّ العمارات فسحة لحديقة مناسبة، وسكّانها يمثّلون سكّان سورية مناطقيّا، فابن الحسكة يجاور ابن اللاذقيّة، وابن حلب يجاور ابن حوران، وتسمع فيها جميع لهجات القطر.
أنزلونا في بيت الضيافة المطلّ على السدّ ، وذهب كلّ إلى غرفته لنرتاح قليلا من السفر، لنذهب إلى الرقّة حيث تُقام الأمسية في مركزها الثقافي الجديد، ماأن ارتحتُ قليلا حتى رنّ جرس الباب، فقمت لأفتح، كان رجلا ، سلّم، ورددتُ السلام، وسألني ماإذا كنتُ من المدعوّين لأمسية الرقّة، فقلت:« نعم»، قال:« هل يمكن أن أدخل» فقلتُ له:« تفضّل»، وأدخلتُه غرفتي، سألني :» هل يمكن أنْ أطّلع على ماستقدّمه اليوم»؟، عرفتُ مهمّته، قلت: « لن أقدّم شيئا»، قال:« لم افهم»، أجبتُه أنّني سأعتذر عن المُشاركة»، بدا الاستغراب عليه، قلت له:« انتظر قليلا»، وذهبت إلى غرفة أحمد سليمان الأحمد باعتباره عضوا في المكتب التنفيذي للاتحاد، وأخبرته بما جرى، فبدا عليه شيء من الحيرة، قلت له:« نحن في محافظة حمص، وأنت تعرف نشاطاتها الثقافيّة والفكريّة المميَّزة، ليس لدينا مثل هذا، فهل نحن في بلد آخر؟!!» نهض وجلسنا في الصالون، وتركتهما بعد قليل، وما أدري مادار بينهما، قبل موعد الأمسية بساعة جاء السائق المتجهّم، ونقلنا إلى الرقّة، وكانت القاعة ممتلئة، وفي مقدّمة الموجودين الأديب الكبير عبد السلام العجيلي، واستقبلنا المرحوم عبد الله أبو هيف، وكان رئيسا لفرع الطلائع هناك، وقد علم بأمرنا، فأجرى اتصالا بجهة ما، وجاء إليّ معتذرا باسمه، وباسم الجهة الرسميّة ، ورجاني أن أشارك،وكان ذلك…

عبد الكريم الناعم

aaalnaem@gmail.com

المزيد...
آخر الأخبار