لا تحتاج أم محمود إلى دليل يذكّرها بمراحل صناعة البرغل؛ فقد أتقنتها حتى غدت جزءاً من حياتها اليومية. وبين القمح والقدور و”المرحة”، تستعيد حكاية مهنة ورثتها عن والدتها وجدتها، وما تزال تحافظ على تفاصيلها حتى اليوم.
تستعيد السيدة البالغة من العمر 55 عاماً بداياتها مع هذه الحرفة التي رافقتها منذ الصغر، مؤكدةً أن صناعة البرغل لم تكن بالنسبة إليها مجرد وسيلة رزق، بل جزءاً من حياة عائلتها وذاكرة حي ديربعلبة، حيث توارثت الأجيال هذه المهنة وحافظت على تفاصيلها جيلاً بعد جيل.
وتقول أم محمود إنها تعلمت المهنة على يد والدتها وجدتها، اللتين نقلتا إليها مراحلها خطوةً بخطوة، بدءاً من اختيار القمح القاسي، مروراً بالغسل والسلق والتجفيف، وصولاً إلى الطحن والغربلة، حتى أصبحت هذه المراحل جزءاً من خبرتها اليومية.
وتوضح أن صناعة البرغل تُعد من أبرز المهن التراثية التي اشتهر بها حي ديربعلبة، وشكلت على مدى سنوات طويلة مصدر رزق للعديد من العائلات، قبل أن تنتقل خبراتها وأساليبها من جيل إلى آخر، محافظةً على مكانتها كحرفة تجمع بين التراث والإنتاج المحلي.
وتشير إلى أن برغل ديربعلبة يُعد من أجود أنواع البرغل في محافظة حمص، لما يتميز به من طعم ونكهة مميزين، مرجعةً ذلك إلى الاعتماد على القمح القاسي حصراً، باعتباره الركيزة الأساسية للحصول على منتج عالي الجودة.
وتبدأ عملية التصنيع بغسل القمح وتنقيته من الشوائب، ثم سلقه في قدور كبيرة، وبعد نضجه يُنشر في مكان مخصص يُعرف باسم “المرحة”، وهي ساحة تُجهز من خليط التراب الأبيض وتبن القمح والماء، لتشكل أرضية تساعد على تجفيف القمح.
وتسهم “المرحة” في تسريع جفاف القمح، حيث يُحرّك باستمرار حتى يجف تماماً، ثم يُجمع ويُنقل إلى آلة الطحن، قبل أن يمر عبر الغربال الذي يتولى فرزه إلى عدة أصناف، منها الناعم والخشن و”الخشانة”، قبل تعبئته في أكياس خاصة وطرحه في الأسواق.
وبحسب أم محمود، ازداد الطلب على برغل ديربعلبة خلال السنوات الماضية، لما يتمتع به من مكانة خاصة لدى أبناء المنطقة، ولا سيما أنه يشكل المكون الأساسي في إعداد “الكبة الديربعلباوية”، التي تُعد من أشهر الأكلات الشعبية والتراثية في الحي.
وتلفت إلى أن صناعة البرغل شهدت تطوراً خلال السنوات الأخيرة مع إدخال الآلات الحديثة إلى مراحل الإنتاج، بعد أن كانت تعتمد بدرجة أكبر على العمل اليدوي، ما أسهم في زيادة الإنتاج وتسريع العمل، مع الحفاظ على خصوصية المنتج ومراحل تصنيعه الأساسية.
وبينما تواصل أم محمود حديثها، تتحرك يداها بين حبات القمح بثقة اعتادت تفاصيل هذه المهنة، وكأن سنوات الخبرة ما زالت تقود كل خطوة من خطوات العمل.
وهكذا، يبقى برغل ديربعلبة أكثر من منتج غذائي؛ فهو حرفة ارتبطت بالمكان، وإرث تناقلته العائلات جيلاً بعد جيل، محافظاً على حضوره في بيوت الحي، وعلى مكانته كأحد أبرز الملامح التراثية التي ما زالت تنبض بالحياة.
العروبة – هيا العلي