من أسقف الجوامع إلى بهو المحافظة… بصمة عبد الرحيم عبارة في فن العجمي

بين يدي عبد الرحيم عبارة، تتحول الأسطح الخشبية إلى لوحات نابضة بالزخارف النافرة والألوان الشرقية – مشهدٌ يتكرر منذ أكثر من ثلاثة عقود، يجمع فيه هذا الفنان والحرفي بين دقة الصنعة اليدوية وروح فن الأرابيسك “العجمي” التراثي، بوصفه واحداً من الحرفيين القدامى الذين حملوا أسرار هذه الحرفة وحافظوا على جمالياتها القائمة على الخط العربي والزخرفة الإسلامية.

بدأت رحلة عبارة مع هذه الحرفة عام 1992، خلال دورة أقامتها مديرية التربية في حمص، بحكم عمله مدرساً للفنون الجميلة، وشملت إلى جانب فن العجمي حرفاً أخرى مثل الضغط على النحاس والحرق على الخشب. ومنذ ذلك الوقت، اختار التخصص في فن العجمي، مستفيداً من خبرته في الخط العربي والزخرفة، لما يجمعه هذا الفن من عناصر فنية قريبة من اهتماماته.

ويُنفَّذ العمل العجمي على الخشب عبر مراحل دقيقة، تبدأ بتصميم اللوحة ونقل القالب وتأسيسه، ثم وضع المادة النافرة وتشكيل الزخارف والخطوط، وصولاً إلى تلوينها بالألوان الإسلامية التقليدية، وتذهيب العناصر البارزة، وتنفيذ ما يُعرف بـ”القطع بالأسود” حول اللون الذهبي لإبراز التفاصيل وإضفاء مزيد من الجمال على العمل.

ويقول عبارة: “المادة النافرة تُحضَّر من خلطة يدخل في أساسها الجبصين، إلى جانب الغراء الحيواني والصمغ العربي والسبيداج والزنك”، لافتاً إلى أنّ إنجاز اللوحة يحتاج إلى وقت طويل يختلف تبعاً لمساحتها وتعقيد تصميمها.

ويحرص على الحفاظ على هوية فن العجمي من خلال الالتزام بهيكلية اللوحة وألوانها الإسلامية التقليدية، ولا سيما الكحلي الغامق والخمري والأخضر الزيتي والفيروزي، مع إدخال بعض الأفكار الجديدة التي لا تخرج عن روح الحرفة، مثل استخدام الألوان الخشبية في الأرضيات، والاقتصار على التذهيب والتفضيض في العناصر النافرة، بما يحافظ على الطابع الشرقي للعمل.

ورغم عدم وجود صعوبات كبيرة تعيق ممارسة هذه الحرفة، ما يزال الإقبال على اقتناء الأعمال العجمية والديكورات التقليدية محدوداً، في ظل انتشار أساليب الديكور الحديثة.

ويرى عبارة أنّ إقبال الشباب على تعلم هذه المهنة لا يزال ضعيفاً، مؤكداً أنّها تحتاج إلى فنان يمتلك موهبة في الخط العربي والزخرفة والتذوق الفني، إضافة إلى الصبر والممارسة والتدرج في التعلم.

ويؤكّد أنّ التكنولوجيا والإنترنت يمكن أن يساعدا في بعض مراحل العمل، لكنهما لا يغنيان عن قدرة الحرفي على التصميم والابتكار، مشيراً إلى أنّ إتقان فن العجمي يتطلب معرفة بالخط العربي والزخارف النباتية والألوان والزخارف الإسلامية.

وخلال مسيرته الفنية، شارك عبارة في عدد من المعارض والفعاليات الثقافية والتراثية، كما درّس حرفة العجمي لمدة ثلاث سنوات. وكانت بدايات أعماله في صالة نقابة المعلمين بحمص، قبل أن تتوسع تجربته لتشمل تنفيذ ديكورات شرقية في عدد من البيوت الحمصية، ومن أبرز أعماله أسقف جامع الأربعين وجامع أبي بكر الصديق في منطقة الناعورة، إضافة إلى لوحتين في بهو المحافظة، وأعمال في غرفة تجارة حمص تضمنت العجمي والزجاج الملون والخطوط والزخارف.

ويرى عبارة أنّ إنشاء سوق خاص يجمع الحرفيين وأصحاب المهن التراثية من شأنه دعم هذه الحرف وتشجيع أصحابها على الاستمرار والتطوير، ليكون وجهة للزوار الراغبين في التعرف إلى الفنون التراثية واقتناء منتجاتها.

أما رسالته إلى الشباب، فيلخصها بضرورة عدم الاستعجال في الوصول إلى القمة، والبدء بالتعلم والإتقان قبل الإنتاج، مؤكداً أن الحرفي الحقيقي يطوّر نفسه باستمرار في الرسم والخط العربي والزخرفة، ويستفيد من التكنولوجيا والإنترنت في التعلم والاطلاع، من دون أن يفقد الفن هويته وأصالته.

وبين التصميم والتنفيذ والتذهيب، يواصل عبد الرحيم عبارة رحلته مع فن العجمي، مؤمناً بأنّ الحفاظ على هذه الحرفة لا يقتصر على صون شكلها التقليدي، بل يتطلب نقل أسرارها إلى جيل جديد قادر على تطويرها وتجديدها، من دون أن يفقدها هويتها وجمالها الأصيل.

العروبة – هيا العلي

المزيد...
آخر الأخبار