من رهبة الفروع إلى اعتذار المؤسسة.. صورة جديدة لمفهوم العمل الأمني في سوريا

تقدم وزارة الداخلية السورية، من خلال اعتذارها العلني لستة مواطنين ثبت عدم تورطهم بخلية لتنظيم “داعش” الإرهابي في القنيطرة، صورة مختلفة لمفهوم العمل الأمني الذي تسعى الدولة إلى ترسيخه بعد سقوط نظام الأسد البائد، صورة تقوم على أن حماية الأمن لا تنفصل عن حماية المواطن، وأن الاشتباه لا يعني الإدانة، وأن المؤسسة تستطيع مراجعة إجراءاتها والاعتراف بنتائج التحقيق أمام المجتمع.
ويحمل هذا الاعتذار أهمية خاصة عند وضعه في السياق السوري، حيث ارتبطت الأجهزة الأمنية طوال عقود في أذهان السوريين بالاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري، وبسلطة واسعة كان المواطن يقف أمامها من دون ضمانات فعلية أو قدرة على الاعتراض والمساءلة.
يكشف بيان الداخلية عن تحول يتجاوز الإفراج عن أشخاص انتفت الشبهات بحقهم، فالوزارة أعلنت أسماءهم، وأوضحت أن التحقيق لم يثبت مشاركتهم في أنشطة التنظيم، وأكدت أن علاقتهم بأحد المتهمين اقتصرت على روابط عائلية، ثم قدمت اعتذاراً صريحاً لهم ولعائلاتهم عن فترة التوقيف والإجراءات الاحترازية.
ويؤسس هذا السلوك لمفهوم مختلف لهيبة المؤسسة الأمنية، فالهيبة في دولة القانون لا تعني أن الجهاز الأمني لا يخطئ أو لا يراجع قراراته، وإنما تعني امتلاكه القدرة على اتخاذ الإجراءات عند وجود خطر، ومراجعتها عندما تظهر نتائج التحقيق، وتصحيح آثارها عندما يثبت عدم مسؤولية الأشخاص المشمولين بها.
وتكتسب هذه المسألة أهميتها من كون الاعتذار جاء في قضية تتعلق بتنظيم “داعش”، أي في ملف أمني بالغ الحساسية، ومع ذلك جرى التفريق بين الأشخاص الذين أظهرت التحقيقات تورطهم وبين آخرين لم تتجاوز صلتهم بالمتهم روابط القرابة.
يستدعي هذا المشهد المقارنة مع الإرث الذي تركته أجهزة نظام الأسد البائد، حين كان الاعتقال بالنسبة إلى أعداد كبيرة من السوريين بداية رحلة قد تمتد سنوات من دون محاكمة عادلة، وقد تنتهي بالتعذيب أو الاختفاء القسري أو الموت داخل مراكز الاحتجاز.
وترسخت خلال تلك المرحلة صورة المؤسسة الأمنية باعتبارها أداة لحماية السلطة وملاحقة خصومها، واتسعت صلاحيات الأجهزة على حساب القانون، فيما بقيت إمكانية مساءلة المسؤولين عن الاعتقالات والتجاوزات محدودة، الأمر الذي خلق فجوة عميقة بين السوري وجهاز يفترض أن تكون مهمته الأساسية توفير الأمن له.
وتواجه وزارة الداخلية اليوم تحدي تغيير هذه الصورة عبر الممارسة اليومية، لأن إعادة بناء الثقة لا تتحقق بتغيير الأسماء والشعارات وحدها، وإنما بطريقة التعامل مع المواطن منذ لحظة الاشتباه، مروراً بالتوقيف والتحقيق، وصولاً إلى الإحالة إلى القضاء أو الإفراج ورد الاعتبار.
يعيد الاعتذار الأخير طرح معنى الأمن نفسه، فالدولة تحتاج إلى أجهزة قادرة على تفكيك خلايا “داعش” وملاحقة المجرمين ومواجهة الأخطار، وتحتاج في الوقت ذاته إلى ضمان ألا يتحول الخوف من هذه الأخطار إلى مبرر مفتوح للتوقيف أو العقاب خارج القانون.
ويظهر هنا الفارق بين أمن السلطة وأمن الدولة، فالأول ينظر إلى المواطن باعتباره موضع اشتباه محتمل عندما تتعارض مواقفه مع السلطة، بينما يفترض الثاني أن يكون المواطن هو الغاية من العمل الأمني، وأن تكون الإجراءات وسيلة لحمايته ضمن القانون.
ويعزز إطلاق سراح الأشخاص الستة بعد انتفاء الأدلة مبدأ المسؤولية الفردية، فلا يتحمل الإنسان جريمة قريبه، ولا تتحول الروابط العائلية إلى إدانة، ولا يستمر الاشتباه عندما لا يجد التحقيق ما يثبته.
يشكل اعتذار وزارة الداخلية خطوة ذات قيمة رمزية ومؤسساتية، إلا أن الصورة الجديدة للأمن ستحتاج إلى تراكم طويل من الممارسات المشابهة، وإلى قواعد واضحة للتوقيف والتحقيق، ورقابة قضائية فعالة، ومحاسبة التجاوزات، وحماية كرامة الموقوف وحقوقه بصرف النظر عن طبيعة التهمة الموجهة إليه.
ويحتاج السوريون الذين عاشوا عقوداً من الخوف من الفروع الأمنية إلى رؤية المؤسسة الأمنية وهي تخضع للقانون مثلما تطبقه، وتصحح الخطأ عندما يقع، وتحاسب المسؤول عن التجاوز، وتتعامل مع الاعتذار باعتباره مسؤولية مؤسساتية وليس انتقاصاً من هيبتها.
ترسم واقعة خان أرنبة واحدة من الصور التي يمكن أن تساعد في إعادة تعريف العلاقة بين السوريين وقوى الأمن الداخلي، فالجهاز الأمني الذي ينجح في تفكيك خلية إرهابية يستطيع في الوقت نفسه أن يعلن عدم ثبوت الاتهامات بحق أشخاص آخرين، وأن يفرج عنهم ويحفظ كرامتهم ويعتذر منهم.
وتختصر هذه الصورة جانباً من التحول الذي تحتاجه سوريا بعد سقوط نظام الأسد البائد، من مؤسسة يخشاها المواطن إلى مؤسسة يلجأ إليها ويثق بأنها تحميه، ومن أجهزة كانت تعمل فوق المساءلة إلى أجهزة تدرك أن سلطتها مقيدة بالقانون، ومن مفهوم يجعل الاعتراف بالخطأ ضعفاً إلى مفهوم يرى في تصحيحه دليلاً على قوة المؤسسة.
ويبقى نجاح هذه الصورة مرهوناً باستمرارها وتحولها إلى قاعدة عامة، لأن بناء جهاز أمني جديد يقاس في النهاية بقدرته على حماية البلاد من الإرهاب والجريمة، وبقدرته أيضاً على حماية المواطن من الظلم والتجاوز، وعندما تجتمع المهمتان يصبح الأمن جزءاً من دولة القانون، ويبدأ السوري باستعادة ثقته بالمؤسسة التي يفترض أن يكون وجودها من أجل سلامته وحقوقه.
أحمد نور الرسلان

المزيد...
آخر الأخبار