العروبة – خاص
يبرز المركز الوطني لأبحاث الفضاء في جامعة حمص بوصفه نواة بحثية متخصصة تسعى إلى بناء قاعدة علمية وهندسية قادرة على التعامل مع التقانات الفضائية وتطبيقاتها المختلفة، وتوطين المعرفة والخبرات في هذا المجال الحيوي، في خطوة تعكس توجه الجامعة نحو توسيع مجالات البحث العلمي ومواكبة التطورات المتسارعة في علوم وتقانات الفضاء.
وأُحدث المركز حديثاً هذا العام، ويتخذ من كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية مقراً له، ليكون مؤسسة علمية وبحثية وطنية تتبع لجامعة حمص، وتهدف إلى تطوير المعرفة والتقانات المرتبطة بعلوم الفضاء وهندساتها، وتعزيز القدرات الوطنية في مجالات الأقمار الصناعية والملاحة الفضائية وحساب المدارات ومعالجة البيانات الفضائية.
البحث العلمي وتوطين تقانات الفضاء
وأكد مدير المركز، الدكتور خالد العبدالله، في تصريح لـ«العروبة»، أن إحداث المركز الوطني لأبحاث الفضاء في جامعة حمص، يأتي في إطار العمل على تطوير البحث العلمي في مجالات علوم الفضاء وتقاناته، وتوطين تقانات الأقمار الصناعية، وتنمية القدرات الوطنية في مجال الملاحة الفضائية وحساب المدارات، إلى جانب إنشاء منظومات متخصصة لمعالجة البيانات الفضائية والاستفادة منها في التطبيقات العلمية والتنموية.
وأوضح أن المركز يولي أهمية كبيرة لبناء وتأهيل الكوادر العلمية والهندسية المتخصصة، من خلال التدريب والتأهيل في مجالات الفضاء، وتعزيز التعاون العلمي مع الجامعات ومراكز الأبحاث الوطنية والدولية، فضلاً عن العمل على تطوير المناهج الدراسية ذات الصلة بعلوم الفضاء والفلك.
من البحث النظري إلى النماذج الأولية
وبيّن العبدالله أن من أبرز المهام التي يعمل المركز على تنفيذها إجراء البحوث العلمية النظرية والتطبيقية في مختلف مجالات علوم وتقانات الفضاء، وتصميم وتطوير نماذج أولية للأقمار الصناعية وأنظمتها، إضافة إلى نشر الأبحاث في المجلات العلمية المحكمة والمشاركة في المؤتمرات والفعاليات العلمية المتخصصة.
ويعمل المركز كذلك على جمع البيانات الفضائية ومعالجتها وتحليلها، وتطوير تطبيقات للاستفادة منها، إلى جانب إعداد نماذج وخوارزميات لحساب المدارات والملاحة الفضائية، وإنشاء قواعد بيانات ومنصات لتحليل المعلومات الفضائية.
وتشمل مهام المركز أيضاً تنفيذ برامج تدريب وتأهيل للكوادر العلمية والهندسية، ودعم مشاريع الدراسات العليا والإشراف عليها، وإقامة شراكات واتفاقيات تعاون علمي مع الجهات الوطنية والدولية، وتنظيم ورشات العمل والندوات والمؤتمرات المتخصصة.
وأشار مدير المركز إلى أن العمل لا يقتصر على إمكانات جامعة حمص، بل يجري بالتعاون مع مختلف مؤسسات البحث العلمي في سورية، والاستفادة من خبرات الباحثين في أقسام الفيزياء والرياضيات وكليات الهندسة والهيئة العامة للاستشعار عن بعد، وغيرها من الجهات ذات الصلة.
وأكد أن الهدف الأساسي يتمثل في توطين المعرفة والخبرات في مختلف مجالات علوم الفضاء، وبناء علاقات علمية وبحثية مع المؤسسات المتخصصة في الخارج، بما يسهم في نقل الخبرات وتطوير البحث العلمي وتعزيز حضور المؤسسات العلمية السورية في هذا المجال.
التلسكوبات تنقل علوم الفضاء إلى المجتمع
ولا يقتصر نشاط المركز على الجانب البحثي والأكاديمي، إذ يمتلك مجموعة من المناظير الفلكية «التلسكوبات» التي تستخدم لأغراض تثقيفية وبحثية، ويسعى من خلالها إلى نشر الثقافة الفلكية وتعريف المجتمع بأهمية علوم الفضاء.
ونظم المركز، في هذا السياق، أمسية للرصد الفلكي في شارع خالد بن الوليد، أتاح خلالها للأهالي، بمن فيهم الأطفال، فرصة رصد السماء والتعرف بصورة مباشرة إلى بعض الأجرام والمظاهر الفلكية، في تجربة تجمع بين المعرفة العلمية والتفاعل المجتمعي.
ونفذ المركز كذلك عمليات لرصد البقع الشمسية على قرص الشمس باستخدام مرشح خاص، بمشاركة طلاب الدراسات العليا وغيرهم من المهتمين، في إطار أنشطة تسعى إلى تحويل المعرفة الفلكية من مفاهيم نظرية إلى تجربة علمية مباشرة.
وأشار العبدالله، في جانب يعكس الطموح العلمي للمركز، إلى الاستعانة بمستشاري المركز للعمل على نموذج أولي لقمر صناعي، يجري تطويره في إطار التوجه نحو بناء خبرات وطنية في مجال تصميم الأقمار الصناعية وأنظمتها.
وأضاف أن المركز، الذي أُحدث منذ نحو ثلاثة أشهر، ما زال في مرحلة بناء الكوادر وإنجاز المشاريع العلمية، لافتاً إلى أنه لا يستهدف طلاب مرحلة الدراسة الجامعية الأولى بشكل مباشر، وإنما يتيح المجال بصورة أساسية لطلاب الدراسات العليا والباحثين للاستفادة من إمكاناته ومشاريعه البحثية.
مشاريع طموحة على الطريق
ويضع المركز أمامه مجموعة من المشاريع الطموحة خلال المرحلة المقبلة، في مقدمتها إطلاق أول قمر صناعي سوري، والعمل على بناء مراصد فلكية خاصة بالمركز، إضافة إلى إنشاء برنامج دراسات عليا متخصص في علوم الفضاء، بما يفتح المجال أمام إعداد جيل جديد من الباحثين والمهندسين القادرين على تطوير هذا القطاع.
وتحمل تجربة المركز الوطني لأبحاث الفضاء في جامعة حمص، رغم حداثتها، دلالات مهمة على مستوى تطوير البحث العلمي وتوسيع مجالات التخصص الأكاديمي، ولا سيما أن علوم الفضاء لم تعد ترفاً علمياً، بل أصبحت مرتبطة بمجالات واسعة تشمل الاتصالات والملاحة والاستشعار عن بعد وإدارة الموارد والبيئة والزراعة والتنبؤ والتخطيط.
ويمثل بناء مركز بحثي متخصص في هذا المجال استثماراً طويل الأمد في المعرفة والكوادر الوطنية، ويضع جامعة حمص أمام فرصة لتكون منصة علمية تسهم في إعداد الباحثين والمهندسين وتطوير المشاريع الفضائية السورية، وصولاً إلى امتلاك القدرة على تصميم التقانات الفضائية وتطويرها وتوظيفها في خدمة البحث العلمي والتنمية.
معد التقرير: ابتسام الحسن
المزيد...