عيد السيدة العذراء في حمص.. طقوس متوارثة وإيمان يتجدد في ذاكرة المدينة

العروبة – خاص
يحمل عيد السيدة العذراء في الخامس عشر من آب مكانة تتجاوز كونه موعداً ثابتاً في التقويم الكنسي، ليشكل في مدينة حمص مناسبة تتداخل فيها الصلاة مع الذاكرة، والطقوس مع الموروث الاجتماعي، وتستعيد خلالها الكنائس والعائلات تقاليد راسخة تناقلتها الأجيال.
وتتجه أنظار أبناء الكنيسة خلال المناسبة إلى القداديس والصلوات والترانيم، فيما تحضر كنيسة السيدة العذراء «أم الزنار» بوصفها إحدى أبرز العلامات الدينية والتراثية المرتبطة بذاكرة المدينة، بما تحمله من خصوصية في التقليد السرياني ومكانة متجذرة في وجدان أبنائها.
وبيّن الشماس الياس هزيم، في تصريح لـ«العروبة»، أن المناسبة تُعرف كنسياً باسم عيد انتقال السيدة العذراء مريم، فيما يُطلق عليها في عدد من الكنائس الشرقية «عيد رقاد والدة الإله»، بينما يتداولها الناس على نطاق أوسع باسم «عيد السيدة العذراء».
وأوضح أن تعدد التسميات يعكس اختلاف التعبير الكنسي عن المناسبة، إذ يستخدم التقليد الشرقي تعبير «الرقاد» للدلالة على نهاية الحياة الأرضية للسيدة مريم وما يرتبط بها من إيمان بالانتقال، في حين تعتمد الكنيسة الكاثوليكية تعبير «الانتقال».
وأشار هزيم إلى أن الأناجيل لا تقدم رواية تفصيلية عن وفاة السيدة العذراء أو انتقال جسدها، وإنما تستند تفاصيل المناسبة إلى التقليد الكنسي الذي تناقلته الكنائس عبر الأجيال.
وأكد أن المناسبة، من هذا المنطلق، لا تُستحضر باعتبارها مجرد ذكرى لحدث تاريخي، وإنما تحمل في جوهرها دلالات روحية ترتبط بالإيمان والرجاء والحياة الأبدية.
صوم وصلوات تسبق العيد
وتبدأ أجواء العيد قبل الخامس عشر من آب، مع فترة صوم السيدة العذراء التي تبدأ في عدد من الكنائس الشرقية في الأول من الشهر وتستمر حتى الرابع عشر منه، حيث تشكل هذه الفترة، بحسب هزيم، مرحلة للتحضير الروحي من خلال الصلاة والتأمل والتقشف.
ولفت إلى اختلاف أحكام الصوم وتفاصيله بين الكنائس والطوائف وفقاً لتقاليد كل منها، فيما تتصاعد مع اقتراب العيد المظاهر الروحية داخل الكنائس، من خلال إقامة القداديس والصلوات والترانيم والابتهالات، إلى جانب الصلوات المسائية والسهرات الروحية التي تسبق المناسبة في بعض الأماكن.
وأشار لـ “العروبة” إلى أن بعض الكنائس والمزارات تشهد أيضاً زياحات دينية تُحمل خلالها أيقونة السيدة العذراء، في مشهد يجمع الصلاة والترنيم والمشاركة الجماعية للمؤمنين، مع اختلاف هذه الممارسات من كنيسة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر.
«أم الزنار».. خصوصية حمصية
وتكتسب المناسبة في حمص خصوصية واضحة من خلال كنيسة السيدة العذراء «أم الزنار»، التي ترتبط بالتقليد السرياني وبزنار السيدة العذراء، الأمر الذي منحها مكانة دينية وتراثية خاصة في تاريخ المدينة.
وأكد هزيم أن حضور الكنيسة في العيد لا يقتصر على إقامة الشعائر، بل يتصل بذاكرة دينية واجتماعية أوسع، جعلت منها مكاناً يقصده المؤمنون للصلاة والزيارة والمشاركة في المناسبات الدينية.
وأوضح أن الأجواء الروحية للعيد تتداخل مع بعده الاجتماعي، إذ تشكل المناسبة فرصة لاجتماع العائلات وزيارة الأقارب وتبادل التهاني، وتستعيد خلالها الأسر بعض العادات التي توارثتها جيلاً بعد جيل.
وأشار إلى أن هذه العادات لا تتطابق في جميع المناطق، وإنما تتباين تبعاً للموروث المحلي والبيئة الاجتماعية لكل مجتمع.
عادات شعبية وموروث اجتماعي
وارتبط عيد السيدة العذراء في بعض المناطق السورية بعادات شعبية وموسمية، من بينها تقديم بعض المنتجات الزراعية، ولا سيما العنب والتين، إلى جانب النذور وتقديم الطعام والمشاركة في المناسبات الجماعية.
وشدد هزيم على ضرورة التمييز بين هذه المظاهر الاجتماعية والشعبية والطقوس الدينية الثابتة، موضحاً أنها تنتمي إلى الموروث المحلي ولا تمثل ممارسة موحدة لدى جميع الكنائس.
ويمتد حضور المناسبة إلى تقاليد مسيحية مختلفة خارج سوريا، مع تفاوت واضح في الطقوس والتفاصيل، فيما تحتفظ سوريا بعدد من المواقع الدينية المرتبطة بالسيدة العذراء، وفي مقدمتها كنيسة السيدة العذراء «أم الزنار» ودير سيدة صيدنايا، إلى جانب العديد من الكنائس والأديرة والمزارات التي حافظت على حضورها في الذاكرة الدينية والاجتماعية.
الرجاء في جوهر المناسبة
ورأى هزيم أن المعنى الأعمق للعيد يرتبط بقيمة الرجاء، فالحديث عن «رقاد» السيدة العذراء لا يُستحضر في الإيمان المسيحي بوصفه موتاً بمعناه الحزين فقط، وإنما يرتبط بالإيمان بالانتقال والحياة الأبدية، ولذلك يجمع العيد بين ذكرى الرقاد وأجواء الفرح والصلاة والاحتفال.
وتتكامل هذه الدلالات في حمص مع خصوصية المدينة وذاكرتها، فمن الاستعداد الروحي والصوم إلى القداديس والصلوات والترانيم والزيارات، وصولاً إلى اللقاءات العائلية والعادات الاجتماعية، تتحول المناسبة إلى مساحة يستعيد فيها الناس جانباً من موروثهم الديني والاجتماعي.
وأكد هزيم أن قيمة عيد السيدة العذراء لا تختصرها المظاهر الاحتفالية أو الطقوس وحدها، وإنما تكمن في قدرته على تجديد الإيمان واستحضار قيم الصلاة والرجاء والتقرب إلى الله، بالتوازي مع استمرار الكنائس والعائلات في نقل تقاليدها إلى الأجيال الجديدة.
واختصر هزيم دلالة المناسبة بقدرتها على إبقاء الإيمان حياً في تفاصيل الحياة اليومية، ووصل الحاضر بذاكرة دينية واجتماعية تشكلت عبر أجيال، فيما بقيت «أم الزنار» في حمص شاهداً على حضور العذراء في وجدان المدينة، ومكاناً تتلاقى فيه الصلاة مع الحكاية والموروث مع الإيمان.
معد التقرير: بشرى عنقة

المزيد...
آخر الأخبار
منذ عام 1948.. عائلة «أبو شمسو الأبيض» تتوارث صناعة الحمص الشعبي في حمص معالم من حمص: قصر آل اليافي في حمص القديمة.. شاهد معماري على تاريخ المدينة وحياة عائلاتها من القصير إلى حماة.. محطة «ساريكو» تؤمّن مياه الشرب لنحو مليوني مواطن في 65 تجمعاً سكنياً الاتفاقيات السورية السعودية.. فرص استثمارية واعدة وسرعة التنفيذ تحدد أثرها الاقتصادي «بصمة».. مشروع تقني من حمص يحوّل الهواتف المحمولة إلى نظام ذكي لإدارة الحضور والانصراف والرواتب العروبة تتحقق: منشآت أثرية ظهرت بعد السيول.. مدير آثار تدمر يوضح تاريخ قناة وادي السوق سوريا والسعودية توقعان اتفاقيات قروض بـ403.6 ملايين دولار لدعم ستة قطاعات حيوية النشرة الرياضية: الكرامة يتجاوز النواعير في دوري السلة.. وتحضيرات سورية لاستحقاقات خارجية اقتصاد العروبة: الذهب يرتفع والدولار يستقر.. نشاط رقابي واستثماري وخدمي في حمص أسواق المدافئ في حمص.. أسعار مرتفعة وإقبال ضعيف مع اقتراب الشتاء