تفاهم دمشق والوكالة الدولية للطاقة الذرية.. ماذا يعني لسوريا وما الذي يتغير بعد زيارة غروسي؟

تحمل زيارة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل ماريانو غروسي إلى دمشق، والتفاهمات التي أُعلن عنها مع الحكومة السورية، أهمية تتجاوز الجانب الفني المتعلق بمواقع ومواد نووية موروثة عن نظام الأسد البائد، إذ تفتح الطريق أمام معالجة ملف ظل عالقاً لأكثر من عقد ونصف، وتؤسس في الوقت نفسه لعلاقة مختلفة بين سوريا والوكالة تقوم على الشفافية والتحقق والتعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
وتكمن أهمية الزيارة في أنها نقلت العلاقة بين الطرفين إلى خطوات عملية، شملت زيارة موقع في دير الزور وموقع آخر مرتبطاً بمواد نووية أعلنت سوريا اكتشافها، والاتفاق على استكمال عمليات التفتيش والتحقق، تمهيداً لعرض النتائج على مجلس محافظي الوكالة والوصول إلى تسوية للمسائل العالقة.
ماذا يعني التفاهم؟
يعني التفاهم أولاً أن دمشق اختارت معالجة الملف النووي الذي ورثته عن النظام السابق من داخل منظومة الضمانات الدولية، عبر إتاحة الوصول للوكالة وتقديم المعلومات المطلوبة والسماح بإجراء عمليات التحقق، بدلاً من استمرار الملف مفتوحاً بما يحمله من تبعات سياسية وقانونية.
ويعني كذلك الفصل بصورة أوضح بين أنشطة تعود إلى عهد نظام الأسد البائد وبين سياسة الدولة السورية الجديدة، وهي نقطة أكدها غروسي عندما تحدث عن تعاون الحكومة الحالية، مقابل عدم تعاون النظام السابق في معالجة القضايا التي أثارت قلق المجتمع الدولي.
هذا الفصل يعزز إعلان دمشق أنها بادرت من تلقاء نفسها إلى إطلاع الوكالة على المواد والمواقع المعنية، وهو ما يمنح الحكومة السورية فرصة لمعالجة إرث لم تنشئه، مع تحمل مسؤوليتها كدولة عن الوفاء بالتزامات سوريا الدولية.
السيادة والرقابة الدولية
يؤكد التفاهم في جانب آخر أن التعاون مع الوكالة لا يعني تخلي سوريا عن سيادتها على المواد النووية الموجودة داخل أراضيها، إذ نص البيان المشترك على استمرار هذه المواد في العهدة الوطنية السورية، بالتوازي مع خضوعها لأنشطة التفتيش والتحقق المطلوبة بموجب الالتزامات الدولية.
ويجمع هذا المسار بذلك بين مبدأين، أولهما حق الدولة السورية في السيادة على أراضيها وموادها وحقها في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وثانيهما مسؤوليتها عن الالتزام بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ونظام الضمانات المرتبط بها.
الطريق نحو إغلاق الملف
يمهد استكمال الخطوات المتفق عليها أمام تطور بالغ الأهمية، يتمثل في نقل نتائج عمليات التحقق إلى مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يسمح بالنظر في المسائل التي ظلت عالقة منذ عهد النظام السابق والعمل على تسويتها.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية سياسية إلى جانب بعدها الفني، لأن إغلاق ملف الضمانات من شأنه إزالة واحد من الملفات الموروثة التي أثقلت علاقة سوريا بالمؤسسات الدولية، وتعزيز صورة الدولة الجديدة باعتبارها شريكاً مستعداً للتعامل بشفافية مع التزاماته الدولية.
من الملف الأمني إلى التنمية
في حال استكمال مسار التفاهم، فإنه يفتح باباً آخر يتجاوز معالجة الماضي، إذ اتفقت دمشق والوكالة على توسيع التعاون في الاستخدامات السلمية للعلوم والتكنولوجيا النووية، وربط غروسي مجالات التعاون المستقبلية بالطاقة والصحة وإدارة المياه، إلى جانب تطبيقات تنموية أخرى.
كما أن ذلك يحول العلاقة مع الوكالة تدريجياً من علاقة تتركز على التحقيق في أنشطة سابقة إلى شراكة يمكن أن تستفيد منها سوريا في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، خصوصاً في القطاعات التي تحتاج إلى تقنيات وخبرات دولية متخصصة.
رسالة سياسية إلى الخارج
بالانتقال إلى زيارة غروسي، فإنها تبعث برسالة إلى المجتمع الدولي بشأن استعداد دمشق لفتح الملفات الحساسة الموروثة عن نظام الأسد البائد والتعامل معها ضمن الأطر القانونية الدولية، بدلاً من إبقائها مناطق مغلقة أمام المؤسسات المختصة.
ويساعد نجاح هذا النموذج سوريا على بناء الثقة مع المؤسسات والدول التي ستشكل شراكاتها معها عاملاً مهماً في مرحلة إعادة الإعمار، إذ تصبح الشفافية في ملف بحساسية الملف النووي مؤشراً يمكن البناء عليه في ملفات تعاون دولية أخرى.
ما بعد زيارة غروسي
تبقى النتائج النهائية مرتبطة باستكمال عمليات التفتيش والتحقق وما سيقدمه غروسي إلى مجلس محافظي الوكالة، ولذلك تمثل الزيارة بداية مرحلة حاسمة في معالجة الملف أكثر من كونها نهاية له.
ويضع التفاهم دمشق أمام فرصة مزدوجة، تتمثل الأولى في إغلاق إرث نووي تركه نظام الأسد البائد وما رافقه من مسائل عالقة مع الوكالة، بينما تتمثل الثانية في الانتقال نحو علاقة دولية جديدة تجعل التكنولوجيا النووية السلمية أداة للتنمية بدلاً من بقاء اسم سوريا مرتبطاً بملف عدم الانتشار.

المزيد...
آخر الأخبار
معالم من حمص: قصر آل اليافي في حمص القديمة.. شاهد معماري على تاريخ المدينة وحياة عائلاتها من القصير إلى حماة.. محطة «ساريكو» تؤمّن مياه الشرب لنحو مليوني مواطن في 65 تجمعاً سكنياً الاتفاقيات السورية السعودية.. فرص استثمارية واعدة وسرعة التنفيذ تحدد أثرها الاقتصادي «بصمة».. مشروع تقني من حمص يحوّل الهواتف المحمولة إلى نظام ذكي لإدارة الحضور والانصراف والرواتب العروبة تتحقق: منشآت أثرية ظهرت بعد السيول.. مدير آثار تدمر يوضح تاريخ قناة وادي السوق سوريا والسعودية توقعان اتفاقيات قروض بـ403.6 ملايين دولار لدعم ستة قطاعات حيوية النشرة الرياضية: الكرامة يتجاوز النواعير في دوري السلة.. وتحضيرات سورية لاستحقاقات خارجية اقتصاد العروبة: الذهب يرتفع والدولار يستقر.. نشاط رقابي واستثماري وخدمي في حمص أسواق المدافئ في حمص.. أسعار مرتفعة وإقبال ضعيف مع اقتراب الشتاء بين الفرشاة والرسم الرقمي.. مي الحلواني تتحدث لـ«العروبة» عن مستقبل الفن التشكيلي وحضور الثورة السور...