“أوتاد هرئة”.. مسرح حمص يضع الإنسان أمام الخوف والسلطة والاختيار

العروبة – خاص

على خشبة مسرح قصر الثقافة في حمص، مساء الاثنين، لم يقدّم عرض “أوتاد هرئة” حكاية مكتملة الإجابات، بل وضع شخصياته أمام أسئلة تتعلق بالخوف والسلطة والحرية والحب والاختلاف، مستعيداً فترة زمنية ما تزال حاضرة في ذاكرة الناس، من زاوية إنسانية تبتعد عن تقديمها كحدث سياسي مباشر.

العرض من تأليف موفق قره حسن، وإخراج عمر تمام العواني، وبالتعاون بين مديرية المسارح والموسيقا، ومديرية ثقافة حمص، ونادي دوحة الميماس للموسيقا والتمثيل، ويقوم على شخصيات تحمل معتقداتها وخساراتها ومخاوفها، وتجد نفسها داخل ظروف تختبر قدرتها على التمسك بما تؤمن به.

ولا يذهب العمل إلى تقسيم شخصياته بين “خير” و”شر”، بل يضعها في منطقة أكثر تعقيداً، حيث تتقاطع الخسارة مع السلطة، والخوف مع الاختيار، والحب مع العجز عن الوصول.

الإنسان قبل الحدث

يوضح مخرج العمل عمر تمام العواني لـ”العروبة” أن المسرحية “ليست مجرد مسرحية عن القمع أو السجن”، مشيراً إلى أن فريق العمل حاول الاقتراب من “حقبة زمنية مسكوت عنها ومغيبة على مستوى المسرح، وأن ننظر إليها من خلال الإنسان قبل أن ننظر إليها من خلال الحدث السياسي”.

ويقول العواني إن العمل لا يقوم على “شر مطلق وخير مطلق”، فالشخصيات، وفق رؤيته، تحمل خساراتها ومعتقداتها، وتدخل في صراعات تكشف ما يمكن أن يفعله الضغط بالإنسان.

ويؤكد أن هذه المقاربة لا تعني تبرئة من يمارس القمع أو مساواته بالضحية، موضحاً أن شخصية الضابط، رغم تأثرها بظروف اجتماعية وطبقية، “تفقد إنسانيتها عندما تنخرط في منظومة القمع وتصبح عبداً للسلطة”.

ويظهر هذا التعقيد أيضاً في العلاقة بين وائل وأخو مها، المختلفين فكرياً وعقائدياً، اللذين يلتقيان داخل السجن، ليصبح الاختلاف بينهما اختباراً لإمكانية بقاء الإنسان قادراً على رؤية الآخر بوصفه إنساناً، حتى عندما يختلف معه جذرياً.

أما علاقة وائل ومها، فيصفها العواني بأنها “حب بسيط وعذري”، مشيراً إلى أن الشخصيتين تحاولان الوصول إلى ما تريدان، وأن قيمة المحاولة قد تكون أحياناً أكبر من الوصول.

“الوتد” الذي يهرأ من الداخل

لا يأتي عنوان “أوتاد هرئة” منفصلاً عن عالم العرض، إذ يربطه العواني بصورة الإنسان الذي يبدو ثابتاً في مكانه، لكنه يتآكل من الداخل بفعل الزمن والضغط والصراعات والانكسارات.

وتنعكس هذه الفكرة على الشخصيات التي تبدو صامدة في ظاهرها، بينما تحمل داخلها آثار ما مرت به، فيما تتحول عناصر بسيطة على الخشبة، مثل الحبال والإطارات والطاولة والكراسي والدلو، إلى مكونات بصرية مرتبطة بالسجن والانتظار والسلطة والذاكرة والخوف.

ويشير العواني إلى أن التحدي الإخراجي تمثل في عدم التعامل مع النص باعتباره “حكاية سياسية تُروى أمام الجمهور”، بل البحث عن لغة مسرحية تجعل المتلقي يعيش الحالة.

ولهذا اعتمد العرض على حضور الجوقة والممثلين على الخشبة، بحيث تنتقل الشخصية إلى مركز المسرح عند دخولها في مسار الأحداث، فيما تبقى الشخصيات الأخرى أشبه بذاكرة جماعية تحيط بها.

كما اعتمد العمل على “السينوغرافيا الفقيرة”، حيث تتحول الأدوات الموجودة على الخشبة من عناصر بسيطة إلى رموز تتغير دلالاتها بحسب المشهد، وهو ما يتيح، بحسب العواني، بناء صورة مسرحية من دون الحاجة إلى إمكانات إنتاجية كبيرة.

المسرح لا يقدم إجابة جاهزة

لا يفضل العواني الحديث عن “رسالة” للعمل، ويقول: “لا أحب كلمة رسالة كثيراً في المسرح، لأن الرسائل يمكن أن تصلنا من الأخبار أو من نشرة إعلامية”.

ويضيف أن ما يريده هو تقديم فكرة ضمن قالب تمثيلي يدفع المتفرج إلى البحث والتحليل والتفكير، وأن من أهم ما يمكن أن يقدمه المسرح ألا يمنح المتلقي نهاية جاهزة، بل يتركه أمام أسئلة تستمر بعد خروجه من الصالة.

ويختصر ذلك بقوله: “إذا خرج المتفرج من العرض وهو يسأل نفسه: لو كنت مكان وائل، ماذا كنت سأفعل؟ ولو كنت مكان الضابط، متى كنت سأفقد إنسانيتي؟ ولو كنت مكان أخو مها، هل أستطيع أن أتقبل من يختلف معي؟ فأعتقد أننا حققنا شيئاً مهماً”.

ويرى العواني أن العرض يمكن أن يكون جزءاً من عودة المسرح في حمص إلى دوره كمساحة للتفكير والحوار، لا مجرد مناسبة لتقديم عرض مسرحي.

من “1981” إلى “أوتاد هرئة”

من جهته، يوضح مؤلف العمل موفق قره حسن أن فكرة النص ولدت من الرغبة في الاقتراب من فترة زمنية بقيت حاضرة في ذاكرة الناس، لكنها لم تأخذ، برأيه، مساحة كافية على خشبة المسرح.

ويشير إلى أن عنوان “1981” في الصيغة الأصلية للنص “ليس مجرد تاريخ، وإنما علامة على مرحلة كاملة”، موضحاً أن التاريخ يمكن أن يحمل دلالات تتجاوز الأرقام، ولذلك كان مفتاحاً للدخول إلى عالم العمل.

ويؤكد قره حسن أن النص لا يقدم إجابة سياسية مباشرة، بل يضع الإنسان أمام أسئلة تتصل بالسلطة والخوف والانتماء والحب والاختلاف، وبالإنسان عندما يجد نفسه داخل ظروف أكبر منه.

ويترك العمل للمتلقي مساحة لتأويل الأحداث وإسقاطها على الواقع من دون فرض قراءة واحدة، إذ يرى المؤلف أن قيمة النص تكمن في أن يجد كل متفرج أسئلته الخاصة داخله.

وعن انتقال النص من الورق إلى الخشبة، يقول إن المسرح ليس نصاً مكتوباً فقط، وإنما “أجساد وأصوات وضوء وصمت وحركة”، ولذلك من الطبيعي أن يتغير النص خلال البروفات مع دخول المخرج والممثلين في عملية الاشتغال عليه.

ويختصر ما يريده من الجمهور بقوله: “ليس بالضرورة أن يوافقني، وليس بالضرورة حتى أن يحب المسرحية، يكفيني أن يفكر بها”.

شراكة ثقافية في حمص

ويؤكد رئيس نادي دوحة الميماس، وجيه الحافظ، لـ”العروبة” أن التعاون بين النادي ومديرية الثقافة يضيف إلى العمل الفني، لأن إنتاج أي عمل مسرحي أو فني يحتاج إلى تكامل الجهود والإمكانات والخبرات.

وأوضح أن مديرية الثقافة تمثل “العصب” الأساسي للعمل الثقافي في حمص، لما تمتلكه من مسارح وأدوات وإمكانات تساعد على تنفيذ الأعمال الفنية، مؤكداً أهمية استمرار التعاون بين المؤسسات الثقافية والفرق والأندية الفنية.

وأعرب الحافظ عن شكره لمديرية المسارح والموسيقا في سورية على إطلاق مهرجان سورية المسرحي واختيار فرق مسرحية من مختلف المحافظات، كما شكر لجان الانتقاء التي اختارت العرض لتمثيل حمص، متمنياً التوفيق للمشاركين والقائمين على المهرجان.

في “أوتاد هرئة”، لا تنتهي الحكاية بانتهاء العرض، فالشخصيات التي دخلت الخشبة وهي تحمل خوفها وخساراتها تترك المتلقي أمام أسئلة عن حدود الاختيار، وعن الإنسان حين يوضع تحت الضغط، وعن اللحظة التي يمكن أن يفقد فيها ما كان يعتقد أنه ثابت فيه

المزيد...
آخر الأخبار