العروبة – خاص
تكشف الزخارف والنقوش المنتشرة في حمص القديمة عن هوية معمارية تشكلت عبر عصور متعاقبة، إذ لم تكن مجرد تفاصيل جمالية على واجهات الأبنية، بل تحولت إلى سجل مادي يحفظ جانباً من تاريخ المدينة وحياة أهلها، ويظهر في مساجدها وكنائسها وبيوتها وأسواقها.
واستطاع المعمار الحمصي توظيف الحجر البازلتي والكلسي، إلى جانب النقوش النباتية والهندسية والكتابية، لصياغة هوية بصرية تجمع بين صلابة الحجر ودقة الزخرفة، وتحول عناصر البناء إلى شواهد على تطور المجتمع والعمارة.
حاورت «العروبة» الباحث التاريخي المهندس رامي الدويري للوقوف على خصائص هذه الزخارف ودلالاتها، وما تكشفه عن تعاقب الحضارات وحياة المجتمع الحمصي، والمخاطر التي تهدد ما تبقى منها وسبل حمايتها.
الأبلق.. بصمة العمارة الحمصية
أوضح الباحث التاريخي المهندس رامي الدويري في تصريح لـ «العروبة»، أن الموروث الزخرفي في حمص يتميز بتنوع مواده وأساليبه، ويأتي فن الأبلق في مقدمة العناصر التي منحت العمارة المحلية خصوصيتها، من خلال التناوب بين الحجر البازلتي الأسود والحجر الكلسي الأبيض.
وأشار إلى أن هذا التباين منح الواجهات والأقواس إيقاعاً هندسياً مميزاً من دون الحاجة إلى طبقات من الدهان، فيما حضر النحت الحجري والنقوش الغائرة في التيجان وإطارات النوافذ والعتبات العليا للأبواب، أو ما يعرف بـ«الساكف».
وبيّن أن موضوعات النقوش تنوعت بين الأشكال النباتية المحورة، ومنها أوراق العنب والتين، والتكوينات الهندسية كالمضلعات والنجوم الثمانية.
ولفت إلى حضور المقرنصات والشغفيات في القباب والإيوانات والمحاريب، كما في قصر الزهراوي والجامع النوري الكبير، إذ تتدرج الكتل الحجرية أو الجصية على هيئة خلايا متتابعة تكسر حدة الزوايا وتؤمن الانتقال بين الأشكال المعمارية.
وأضاف أن الزخارف الخشبية والعجمي ظهرت بصورة خاصة في أسقف القاعات الرئيسية داخل الدور التراثية، وتميزت بالتذهيب والتطعيم والخيط العربي والرسوم النباتية الملونة المستوحاة من البيئة المحلية.
وأكد أن النقوش الكتابية لا تقل أهمية عن بقية العناصر، إذ تنوعت خطوطها بين الكوفي والثلث وغيرها، وزينت عتبات الدور والمباني العامة بالآيات القرآنية والأدعية والأبيات الشعرية، ووثقت في بعض الأحيان سنة البناء واسم صاحب الدار.
حضارات تركت بصماتها على الحجر
وبيّن الدويري أن قراءة نقوش أبنية حمص تكشف تعاقباً حضارياً غنياً، إذ انتقلت المدينة بين عصور متعددة، احتفظت كل مرحلة منها بجانب من بصمتها الفنية والمعمارية.
وأوضح أن العصرين الروماني والبيزنطي تركا تأثيرات كلاسيكية ظهرت في التيجان المزخرفة بأوراق الأكانثوس والفسيفساء والتكوينات الهندسية، فيما أعيد استخدام عدد من العناصر الحجرية القديمة في مبانٍ شيدت خلال فترات لاحقة.
وأشار إلى أن العصر الإسلامي، ولا سيما الأيوبي والمملوكي، شهد توسعاً في استخدام الحجر البازلتي وظهور الأبلق والتكوينات الهندسية، إلى جانب نقوش حمل بعضها أسماء الحكام والمراسيم والنصوص التذكارية.
ولفت إلى أن العصر العثماني انعكس على تطور العمارة السكنية وازدهار الزخارف الخشبية والعجمي، إضافة إلى النقوش الشعرية والتاريخية التي ظهرت فوق عتبات الدور وبعض المباني العامة.
وأكد أن العمارة الحمصية يمكن قراءتها بوصفها طبقات تاريخية متراكمة، تكشف كل واحدة منها مرحلة من تطور المدينة وذائقتها الفنية وأنماط حياة سكانها.
المزررات والمقرنصات.. فن يتوارثه المكان
وأشار الدويري إلى أن الأبلق والمزررات الحجرية يأتيان في مقدمة الأنماط المرتبطة بالعمارة الحمصية، ولا سيما خلال الفترتين المملوكية والعثمانية، من خلال توظيف البازلت الأسود والحجر الكلسي الأبيض في تشكيلات هندسية فوق الأقواس والعتبات والواجهات.
وأوضح أن المقرنصات وشغفيات القباب شكلت بدورها عنصراً مهماً في العمارة المملوكية، واستخدمت للانتقال التدريجي بين الأشكال الهندسية المختلفة، بالتوازي مع دورها الجمالي في القباب والمحاريب والإيوانات.
وبيّن أن الزخارف النباتية والهندسية امتدت عبر فترات زمنية متعددة، إذ ظهرت أغصان الكرمة وعناقيد العنب في آثار تعود إلى مراحل مسيحية وبيزنطية، قبل أن تتطور التكوينات الهندسية في العمارة الإسلامية.
وأضاف أن النجوم الثمانية والرباعيات والتكوينات المتشابكة برزت إلى جانب الخط العربي، الذي جمع بين وظيفتين زخرفية وتوثيقية.
النقوش وثائق عن حياة المجتمع
وأكد الدويري إمكانية التعامل مع النقوش والزخارف بوصفها وثائق اجتماعية واقتصادية وثقافية، لأنها لا تقدم معلومات عن العمارة فحسب، بل تكشف جوانب من حياة الأشخاص الذين عاشوا داخل هذه الأبنية وحولها.
وأشار إلى أن بعض المراسيم والنقوش الموجودة في المساجد والأسواق تقدم معلومات مرتبطة بالمهن والحرف والتجارة التي كانت سائدة، ما يمنحها قيمة في قراءة الواقع الاقتصادي لمراحل تاريخية مختلفة.
وأوضح أن الأدعية والعبارات المنقوشة فوق عتبات الدور، ومنها ما يرتبط بالبركة ورضا الوالدين، تعكس جانباً من القيم الاجتماعية، فيما وثقت النقوش الشعرية والتذكارية أسماء بعض أصحاب الدور وسنوات بنائها ومكانتهم الاجتماعية.
ولفت إلى أن دقة النحت تكشف بدورها وجود حرفيين وبنائين امتلكوا مهارات عالية في التعامل مع الحجر البازلتي شديد الصلابة، ما يعكس تطور الخبرة الحرفية وقدرة الصناع المحليين على تطويع مواد بيئتهم.
هوية واحدة تجمع المساجد والكنائس والبيوت
وأكد الدويري أن زخارف المساجد والكنائس والبيوت والأسواق تعكس تفاعلاً ثقافياً وفنياً بين مكونات المدينة، يظهر من خلال اشتراك المباني الدينية والمدنية في عدد من مواد البناء وأساليب الزخرفة.
وأوضح أن الحجرين البازلتي والكلسي حضرا في العديد من المباني، فيما تجاوزت بعض التقنيات الزخرفية حدود الوظيفة الدينية أو الاجتماعية للمكان لتصبح جزءاً من الهوية العمرانية العامة لحمص.
وأشار إلى أن الأسواق والحمامات والمباني العامة تكشف بدورها طبيعة الحياة المدنية، بوصفها فضاءات جمعت فئات المجتمع المختلفة، وحافظت على الأقواس الحجرية والتكوينات المعمارية التي تعكس وحدة البيئة العمرانية وتنوع وظائفها.
الحرب والإهمال يهددان الذاكرة المعمارية
وكشف الدويري أن الإرث الزخرفي في حمص تعرض خلال العقود الماضية لعوامل متعددة من التدهور والاندثار، كان من بينها التوسع العمراني الحديث الذي أدى إلى إزالة أجزاء من بعض المنشآت والأسوار والأبواب التاريخية لتوسيع الطرقات، واستبدال بعض البيوت التراثية بأبنية حديثة.
وأضاف أن الإهمال والرطوبة وغياب الترميم العلمي لفترات طويلة أسهمت في تضرر نقوش حجرية، فيما تراجعت ألوان وتذهيبات بعض الأسقف الخشبية المزخرفة.
وأشار إلى أن سنوات الحرب ألحقت أضراراً بأحياء حمص القديمة وأسواقها ومبانيها التراثية، وطالت آثارها عدداً من العناصر المعمارية والزخرفية، بما في ذلك النقوش والعتبات الحجرية.
التوثيق الرقمي لحماية ما تبقى
ونوّه الدويري إلى أن حماية الإرث المتبقي تحتاج إلى عمل منهجي يجمع بين التوثيق العلمي واستخدام التقنيات الحديثة وتعزيز الوعي المحلي بقيمة الأبنية وعناصرها الزخرفية.
ودعا إلى إجراء مسوحات رقمية ثلاثية الأبعاد للتفاصيل المعمارية والنقوش، وأرشفة الصور والخرائط والوثائق التاريخية المتعلقة بالمباني والنقوش الكتابية، بما يوفر سجلاً يمكن الرجوع إليه في أعمال الدراسة والترميم.
وشدد على ضرورة اعتماد مواد وأساليب ترميم تتوافق مع طبيعة الأبنية التراثية، وتجنب المعالجات التي يمكن أن تتسبب بأضرار للحجر على المدى الطويل.
ولفت إلى أهمية المبادرات الأهلية والأكاديمية إلى جانب المؤسسات المختصة، عبر مساهمة الباحثين والمهتمين بالتراث والجمعيات الثقافية والتاريخية في التوثيق ونشر الوعي، ولا سيما بين أصحاب البيوت القديمة.
رموز تتجاوز الجانب الجمالي
وأكد الدويري أن قراءة الزخارف تتيح الوصول إلى مجموعة من الدلالات والرسائل التي تتجاوز وظيفتها الجمالية، إذ أسهم التباين بين البازلت الأسود والحجر الكلسي الأبيض في تشكيل هوية بصرية واضحة للعمارة المحلية.
وأشار إلى أن بعض الزخارف النباتية، كالعنب والرمان، حملت دلالات ترتبط بالخصب والوفرة والبركة، فيما ارتبطت النجوم والتكوينات الشعاعية والهندسية بمعاني النظام والتوازن والتكرار، وهي من السمات البارزة في الفن والعمارة الإسلامية.
وبيّن أن فهم الزخرفة لا يقتصر على شكلها الخارجي، بل يمتد إلى قراءة القيم والرسائل التي سعى أصحاب الأبنية والحرفيون إلى التعبير عنها.
من الحجر إلى ذاكرة الأجيال
وذكر الدويري أن النقوش والزخارف تشكل جزءاً أساسياً من الذاكرة المادية لحمص، ويمكن توظيفها تربوياً وثقافياً لتعريف الأجيال الجديدة بتاريخ مدينتهم وتعزيز ارتباطهم بها.
وأوضح أن تعرف الشاب إلى قصة عتبة حجرية أو نقش في حارته يحول الحجر من عنصر صامت في البناء إلى شاهد على تاريخ المكان وحياة الأشخاص الذين مروا فيه.
وأشار إلى أن إعادة توظيف بعض المفردات الزخرفية الحمصية في الفنون والتصاميم المعمارية الحديثة يمكن أن تبقي الهوية المحلية حية، وتنقلها من الماضي إلى الحاضر بصورة متجددة من دون أن تفقد جذورها.
لو تكلمت حجارة حمص..
وأضاف: «وستهمس لنا الحجارة بأن المدن لا تُبنى من الصخر وحده، بل من إرادة أهلها وحياتهم وذاكرتهم، أولئك الذين خلّدوا أسماءهم وأفراحهم وحكمتهم فوق العتبات والجدران، لتبقى شاهدة على أن حمص، مهما تعاقبت عليها الأزمنة، مدينة عصية على النسيان».
واختتم الدويري حديثه لـ«العروبة» بالقول: «لو تكلمت حجارة حمص البازلتية، لروت حكاية الأيدي التي صقلت قسوتها وحولتها إلى فن يفيض رقة، ستخبرنا كيف جمعت الدار الحمصية بين ستر العائلة وانفتاح السماء عبر صحنها، وكيف التقت أصوات المآذن وأجراس الكنائس في فضاء عمراني واحد».
وتزداد أهمية هذا الإرث مع تعرض عدد من المباني والعناصر المعمارية خلال العقود الماضية لعوامل الإهمال والتوسع العمراني وأضرار الحرب، ما يجعل التوثيق والترميم والحفاظ على العناصر الأصلية ضرورة لحماية ذاكرة المدينة ونقلها إلى الأجيال المقبلة.