العروبة – خاص
يحافظ فن العجمي الدمشقي على حضوره في حمص من خلال حرفيين حملوا أسرار هذه الحرفة التراثية وتقنياتها، ويسعون اليوم إلى نقلها إلى جيل جديد، بعدما ظلت لعقود طويلة مرتبطة بعائلات محددة، قبل أن تجد طريقها إلى المعاهد والدورات التدريبية.
ويرتبط هذا الفن بالبيوت الدمشقية القديمة والقصور، حيث برع حرفيون منذ بدايات القرن الماضي في تنفيذ النقوش والزخارف على الجدران والأسقف، ليغدو واحداً من الفنون التي جمعت بين الدقة الحرفية وجمال التكوين الزخرفي.
زخارف تستلهم الطبيعة
وأوضح الحرفي أحمد الكردي، في لقاء مع «العروبة» في حمص، أن الأجزاء العلوية من الجدران والمناطق المحيطة بالنوافذ كانت تزيّن بزخارف متنوعة، غلب عليها الطابع النباتي من زهور ورموز مستوحاة من الطبيعة.
وأشار إلى أن تطور الحرفة أتاح ابتكار الزخارف النافرة باستخدام خلطات يدخل في تركيبها الجبس والسبيداج والزنك ومواد أخرى، مبيناً أن مكونات الخلطة يمكن أن تختلف وفق خبرة الحرفي وطريقته في العمل.
من التصميم إلى التنفيذ
وبيّن الكردي أن العمل يبدأ بتصميم الزخرفة وفق رغبة الزبون أو رؤية الحرفي، سواء كانت نباتية أو هندسية، أو تضمنت آيات قرآنية وحكماً وأبياتاً شعرية، ثم يُسقط التصميم على الجدران أو الأسقف تمهيداً لتنفيذه.
واستذكر أن الحرفيين، قبل توفر ورق الكربون، اعتمدوا على غبار الفحم في نقل خطوط التصميم إلى السطح، وهي إحدى التقنيات التقليدية التي ارتبطت بالأدوات والمواد المتاحة في ذلك الوقت.
وأوضح أن تنفيذ العجمي على الخشب يبدأ بتنزيل مادة العجمي بالتزامن مع تأسيس الخشب ومنحه الصلابة وحمايته من العوامل الجوية، ثم تأتي مرحلة التحطيب الأسود حول الزخارف النافرة، يليها تنقيح الرسوم وإضافة الورود والعناصر الزخرفية والرتوش النهائية، قبل رش القطعة بمادة اللكر.
التذهيب يبرز التفاصيل
ولفت الكردي إلى أن التذهيب يعد من أبرز مراحل العمل، ويمكن تنفيذه باستخدام ماء الذهب أو الألوان الذهبية والفضية، بما يبرز الزخارف النافرة ويمنح تفاصيل القطعة حضوراً بصرياً مميزاً.
وأضاف أنه بعد تجهيز سطح الخشب وتنعيمه، تنقل الرسوم إليه بطرق تقليدية من بينها غبار الفحم، ثم تستخدم مادة ناعمة تعرف باسم «الجرابي» لتحديد ملامح الرسم على السطح، تمهيداً لاستكمال بقية مراحل العمل.
وأشار إلى أن القطعة تحتاج بعد الانتهاء من مرحلة الشَّخْب إلى نحو 24 ساعة حتى تتصلب بشكل كامل، موضحاً أن المدة قد تختلف بحسب درجة الحرارة والطقس ونوع الخشب والتفاصيل المستخدمة، لتبدأ بعدها مرحلة التلوين وفق رغبة الزبون وطبيعة التصميم.
من «سر المصلحة» إلى التعليم
وكشف الكردي أن تعلم حرفة العجمي لم يكن متاحاً للجميع في الماضي، إذ توارثتها عائلات محددة في دمشق، وكان «شيخ الكار» يحتفظ بأسرارها وينقلها إلى أبنائه أو أشخاص مقربين منه، باعتبارها «سر مصلحة».
وذكر أن الحرفة انتقلت بهذه الطريقة من جيل إلى آخر ضمن عدد محدود من العائلات، من بينها بيت البيضاني وبيت التراشي المعروفان بممارسة هذه المهنة والمحافظة على تقنياتها.
وأشار إلى أن فن العجمي خرج مع مرور الزمن من نطاق التوارث العائلي ووصل إلى الكليات والمعاهد، ما أتاح للأجيال الجديدة فرصة تعلمه، مؤكداً أن إتقانه لا يعتمد على الدراسة وحدها، وإنما يحتاج إلى الموهبة والصبر والشغف لما يتطلبه من دقة ومهارة ووقت وجهد.
وأكد الكردي أن العجمي ارتبط تاريخياً بالبيوت الدمشقية العريقة والقصور، ولا سيما لدى العائلات الميسورة، نظراً إلى ارتفاع تكلفته وطول الوقت الذي تحتاج إليه أعماله حتى تكتمل.
الشباب يقتربون من الحرفة
ولفت الكردي إلى أن عودة الاهتمام بالفنون التراثية أسهمت في جذب جيل جديد نحو العجمي، موضحاً أنه لمس خلال مشاركته في نحو 30 إلى 35 معرضاً اهتماماً متزايداً من الشباب، ولا سيما بأساليب تنفيذ الزخارف والمواد المستخدمة فيها.
وأشار إلى أن الاهتمام امتد إلى عدد من المهندسين والمعماريين الذين طلبوا إقامة دورات تدريبية متخصصة، مبيناً أنه أقيمت بالفعل دورة في هذا المجال، فيما يجري التحضير لإقامة دورة ثانية.
وأوضح أن العجمي يعرف أيضاً باسم «الرسم الدمشقي» أو «الدهان الدمشقي النافذ»، لارتباط جذوره بمدينة دمشق، قبل أن ينتقل في مراحل لاحقة إلى مناطق ودول أخرى.
الحرفيون يحملون الفن خارج الحدود
وبيّن الكردي أن انتقال عدد من الحرفيين السوريين إلى خارج البلاد خلال سنوات الأزمة أسهم في انتشار فن العجمي في دول عربية وشرقية، إذ حمل الحرفيون خبراتهم معهم واستمروا في ممارسة الحرفة وتعليمها.
وأكد أن الحرفي المرتبط بهذه المهنة والحريص على استمرارها يواصل العمل بها أينما وجد، ما أسهم في وصولها إلى جمهور جديد وظهور أعمال مميزة لفن العجمي خارج سوريا.
التسويق وكلفة المواد
وأشار الكردي إلى أن ارتفاع كلفة المواد وصعوبة التسويق يمثلان اثنين من أبرز التحديات التي تواجه العاملين في العجمي، إذ تشكل أسعار مستلزمات العمل عبئاً مادياً على الحرفي.
وأوضح أن التحدي الأكبر يتمثل في الوصول إلى أشخاص يقدرون القيمة الفنية للعمل ومستعدين لدفع كلفة تتناسب مع الجهد المبذول فيه، سواء كان لوحة أو جدارية أو سقفاً مزخرفاً أو عملاً خاصاً لمنزل أو شركة.
وأضاف أن تكاليف المشاركة في المعارض الداخلية والخارجية تمثل تحدياً آخر أمام الحرفيين، على الرغم من أهمية هذه المشاركات في التعريف بالحرفة وإيصال أعمالها إلى المهتمين والمختصين.
ولفت إلى أن الحرفي في بداية مسيرته يواجه صعوبات أكبر في تسويق إنتاجه وبناء اسمه، فيما تساعد الخبرة وتراكم الأعمال والمشاركة في المعارض على تكوين قاعدة من الزبائن وتعزيز الثقة بمنتجاته.
إرث يبحث عن جيل جديد
وأكد الكردي أن أسرار العجمي ظلت سنوات طويلة تنتقل داخل عائلات محددة حافظت على تقنياته ودقائقه وورثتها من جيل إلى آخر، قبل أن تبدأ الحرفة اليوم بالخروج من نطاقها العائلي الضيق نحو المعاهد والدورات التدريبية، بما يسهم في الحفاظ عليها واستمرارها.
وأشار إلى أن العجمي يواصل رحلته محتفظاً بهويته الدمشقية، مستنداً إلى مهارات حرفيين حملوا تفاصيله عبر الأجيال والحدود، لافتاً إلى أن استمراره يرتبط باستقطاب جيل جديد يقدر قيمته ويعيد توظيفه في البيوت والعمارة والفنون المعاصرة.
وتبقى استمرارية فن العجمي مرتبطة بقدرته على الموازنة بين الحفاظ على تقنياته وهويته الدمشقية، وفتح المجال أمام أجيال جديدة لتعلم أسراره وممارسته، بما يحول انتقاله من نطاق العائلات إلى المعاهد والدورات من مجرد تعليم لحرفة، إلى خطوة لحماية إرث فني سوري من الاندثار.