العروبة – خاص
يفتح الأدب مساحات واسعة لقراءة تحولات المجتمع وحفظ ذاكرته والتعبير عن تجاربه الإنسانية، فيما تضع السنوات التي مرت بها سوريا الكتّاب أمام أسئلة تتصل بكيفية تناول الوجع والشتات والتحولات الاجتماعية، وصياغتها في أعمال تمتلك قيمتها الفنية والجمالية، بالتوازي مع الحاجة إلى استعادة الحراك الثقافي وفتح المجال أمام جيل جديد من المبدعين.
وتحضر هذه الأسئلة في تجربة رئيسة فرع اتحاد الكتاب العرب في حمص عبير النحاس، التي تنقلت بين القصة والسيناريو والمقالة وأدب الطفل، وخاضت تجربة الكتابة والنشر خلال إقامتها في تركيا، قبل أن تجمع اليوم بين عملها الإبداعي ومسؤوليتها الثقافية في إدارة فرع الاتحاد.
حاورت «العروبة» النحاس حول بدايات تجربتها الأدبية، واختلاف أدوات الكتابة بين الأجناس التي خاضتها، وأثر التجربة السورية في نتاجها، ورؤيتها لواقع الأدب والسيناريو، إضافة إلى خطط فرع اتحاد الكتاب العرب في حمص لدعم المواهب الشابة وتوسيع حضوره في المشهد الثقافي المحلي.
من مكتبة المنزل بدأت الحكاية
تستذكر النحاس بدايتها مع الكتابة في سن مبكرة جداً، في منزل كانت إحدى غرفه تضم مكتبة ضخمة، قبل أن يضطر والدها إلى تحويلها إلى غرفة للأبناء، لتصبح الكتب جزءاً من تفاصيل حياتها اليومية، وتقول: «شعرت بأنني أسكن المكتبة وأحرسها».
وتشير إلى أن والدها، وهو كاتب وشاعر، كان أحد مصادر إلهامها، إلى جانب الأدباء والمثقفين الذين كانوا يزورونه، فيما رسخت تجربة مدرسية مبكرة رغبتها في الكتابة، عندما طلبت المعلمة من الطلاب كتابة موضوع عن القطط، وكانت تقتني قطة آنذاك، فكتبت موضوعاً لافتاً واتخذت قرارها بأن تصبح كاتبة.
لكل جنس أدبي أدواته
توضح النحاس أن انتقالها بين الأجناس الأدبية يرتبط بطبيعة الفكرة، فالقصة القصيرة تقوم على التكثيف والرمز واللغة والصورة الذهنية، بينما يعتمد السيناريو على البناء البصري ورسم المشهد والحركة والصوت.
وتضيف أن المقالة، وخصوصاً الاجتماعية والسياسية، تمنحها مساحة للمواجهة والمكاشفة المباشرة، وتحتاج إلى تكثيف فكري وقراءة لنبض الشارع والتحولات المحيطة.
وترى أن التنوع بين هذه الأجناس يثري تجربتها، إذ تمنح القصة السيناريو عمقاً إنسانياً وجمالياً، فيما يمنحها السيناريو قدرة أكبر على التكثيف وبناء المشهد والمفارقة.
سوريا حاضرة في تجربتي
تؤكد النحاس أن الأديب لا يستطيع الانفصال عن جراحه الوطنية، مشيرة إلى أن ما مرت به سوريا أعاد تشكيل وعيها بدورها ككاتبة وإنسانة، وترك أثراً واضحاً في تجربتها الأدبية.
وتوضح أنها كتبت خلال إقامتها في تركيا، وعلى مدى عشر سنوات، في مجلة «Gerçek Hayat – الحياة الحقيقية»، حيث قدمت مقالات ترجمت إلى التركية بهدف مد جسور التواصل مع المجتمع التركي وتصحيح بعض المفاهيم والصور النمطية المتعلقة بالسوريين وثورتهم.
وتشير إلى أنها أسست «دار أزرق» للنشر، وأصدرت قصصاً ثنائية اللغة بالعربية والتركية، بهدف الحفاظ على لغة الأطفال وهويتهم ومساعدتهم على الاندماج في مجتمعهم الجديد.
وتضيف أنها تناولت في رواية «ثورة الدمى» الموجهة للأطفال مفاهيم الحرية والحقوق والعدالة بصورة رمزية، وقدمتها للناشئة بأسلوب تربوي.
تحدي تحويل الوجع إلى فن
تصف النحاس المشهد الأدبي والدرامي في سوريا بأنه يمر بمرحلة انتقالية بعد سنوات من الشتات والتحولات العميقة، مشيرة إلى وجود حراك إيجابي يمكن البناء عليه.
وتحدد أحد أبرز التحديات في قدرة الكاتب على معالجة الوجع السوري وصياغته في عمل فني يمتلك قيمته الجمالية والإنسانية، ويحفظ التجربة ضمن رؤية أدبية متماسكة.
وتشير إلى أن مجال السيناريو يواجه بدوره تحديات تتعلق بالإنتاج وشروط السوق، إلى جانب صعوبات النشر وتراجع الجمهور القارئ وتشتته، وتؤكد أن الرهان يبقى على قدرة الكاتب على صياغة سردية وطنية بصدق، وتحويل الأزمة إلى طاقة إبداعية تسهم في تجديد الأدب والدراما.
احتضان المواهب الشابة أولوية
تؤكد النحاس أن دعم الطاقات الشابة يتصدر أولويات عمل فرع اتحاد الكتاب العرب في حمص، موضحة أن الفرع يسعى إلى احتضان المواهب عبر ورشات الكتابة والدورات المتخصصة والندوات التفاعلية التي تتيح للشباب الاستفادة من تجارب الأدباء.
وتشير إلى أن الاتحاد يفتح منبره أمام المبدعين الجدد ويعمل على تقديم نتاجاتهم للجمهور والنقاد، بالتوازي مع توجيههم وصقل أدواتهم وإعداد جيل يمتلك أدواته الفكرية واللغوية ويواصل مسيرة الأدب في حمص.
نحو حضور ثقافي أكثر انفتاحاً
تكشف النحاس عن العمل على تطوير أنشطة الفرع عبر ورشات الكتابة الإبداعية ودورات الانتشار والتسويق الأدبي، إلى جانب المحاضرات والندوات والأمسيات الشعرية والقصصية.
وتوضح أن الاتحاد يسعى إلى توسيع حضوره في المشهد الثقافي المحلي من خلال الوصول إلى المؤسسات التعليمية والجامعية والفضاءات المفتوحة، وبناء شراكات مع المراكز الثقافية والمبادرات الشبابية.
وتضيف أن التوثيق الرقمي لأعمال أدباء حمص يحظى باهتمام الفرع، إلى جانب تنظيم جلسات حوارية عبر المنصات الحديثة، بهدف توسيع حضور الأدب وتقريبه من الجمهور.
بين صومعة المبدع ومنصة المسؤول
تصف النحاس الجمع بين الكتابة والعمل الإداري بأنه «معادلة دقيقة»، موضحة أن مسؤوليات رئاسة الفرع تستهلك جزءاً من الوقت الذي تحتاجه الكتابة، لكنها تمنحها في المقابل رؤية أوسع من خلال الاحتكاك اليومي بالأدباء والاستماع إلى تجاربهم وهواجسهم.
وتؤكد أن موقعها الحالي يزيد مسؤوليتها تجاه حرية الإبداع، مشيرة إلى أن مهمتها تشمل حماية المساحة الإبداعية وتذليل العقبات أمام الكتاب، والسعي إلى تحقيق التوازن بين «صومعة المبدع ومنصة المسؤول».
وتختتم النحاس حديثها لـ«العروبة» بالتأكيد على أن المرحلة التي يمر بها المشهد الأدبي والدرامي السوري تتطلب استعادة الحراك الثقافي وتوسيع المساحات المتاحة أمام المواهب الشابة، فيما يبقى الرهان على قدرة الكاتب على تحويل التجربة السورية ووجعها إلى إبداع يحمل قيمة فنية وجمالية وإنسانية.
وتضع تجربة عبير النحاس ومسؤوليتها في فرع اتحاد الكتاب العرب بحمص أسئلة الثقافة السورية في صلب مرحلة تبحث عن استعادة حضورها وتوسيع فضائها أمام الأصوات الجديدة، فيما يبقى التحدي أمام المؤسسات الثقافية والكتّاب في توفير بيئة تحتضن المواهب وتحفظ الذاكرة السورية، وتمنح التجارب الإنسانية التي عاشها السوريون مساحة للتعبير الأدبي والفني القادر على الوصول إلى الأجيال المقبلة.