من «سوريا المشكلة» إلى «سوريا الفرصة».. قراءة في رسائل الرئيس الشرع من دبي

مقال: أحمد نور الرسلان
رسم الرئيس أحمد الشرع، خلال حواره بعنوان «سوريا المستقبل» في قمة الإعلام العربي 2026 بدبي، ملامح المرحلة التي تتطلع سوريا إلى بلوغها، واضعاً الاستقرار وإعادة بناء الدولة والتحول الاقتصادي والانفتاح على المحيط العربي في صلب هذه الرؤية، ومقدماً أرقاماً ورسائل تعكس أولويات الدولة والتحديات التي ترافق المرحلة الانتقالية.
وكشفت تصريحات الرئيس الشرع عن توجه لإعادة صياغة موقع سوريا داخلياً وإقليمياً ودولياً بعد عقود من الأزمات، وهو ما اختصره بالقول إن سوريا التي كان العالم والإعلام يريان فيها «مشكلة كبيرة» تحولت إلى «فرصة عظيمة يستفيد منها الجميع»، في إشارة إلى الرهان على الاستقرار والموقع الجغرافي والاستثمارات لاستعادة الدور السوري.
استعادة الدولة والثقة
ربط الرئيس الشرع بين تحرير دمشق واستعادة السوريين ثقتهم بالدولة، معتبراً أن الأمل الذي ولدته تلك اللحظة امتد إلى المنطقة، فيما أشار إلى أن سوريا مرت بنحو 60 عاماً من الفساد الإداري وسوء التخطيط، وأنها تعمل اليوم على إعادة بناء نفسها ومؤسساتها والاستفادة من تجارب الدول الأخرى.
وأوضح أن البلاد واجهت عقب التحرير تحديات مرتبطة باحتمالات الانقسام الداخلي والصراعات الطائفية والبنية التحتية والطاقة والعقوبات، معتبراً أن تجاوز جانب كبير منها خلال فترة قصيرة أسهم في الانتقال إلى مرحلة مختلفة تتطلب تثبيت الاستقرار واستكمال بناء المؤسسات.
الاستقرار بوابة للدور الاقتصادي
أظهر حديث الرئيس الشرع ارتباطاً مباشراً بين الاستقرار والاقتصاد، إذ قال إن سوريا تحولت من بلد ارتبط بالنزاع وتصدير الكبتاغون إلى منطقة استقرار بدأ العالم ينظر إليها كممر تجاري آمن لسلاسل التوريد بين الشرق والغرب.
وأشار إلى أن الموقع الجغرافي لسوريا يمنحها فرصة لاستعادة دورها في حركة التجارة الإقليمية، مؤكداً أن استقرار البلاد يمثل مصلحة مشتركة، وأن الاستفادة من هذا الموقع يمكن أن تفتح الباب أمام مشاريع تتجاوز السوق السورية إلى المنطقة المحيطة.
اقتصاد أكثر انفتاحاً وقرارات قد تكون صعبة
وضع الرئيس الشرع التحول الاقتصادي في مقدمة متطلبات المرحلة الجديدة، متحدثاً عن انتقال سوريا من نظام وصفه بأنه أشبه بالاشتراكي ومثقل بالفساد والبيروقراطية، إلى اقتصاد أكثر تحرراً يقوم على دعم القطاع الخاص وتوسيع مساحة الاقتصاد الحر.
ونبه في المقابل إلى أن سوريا تعيش مرحلة انتقالية قد تشهد «صدمات»، وأن بعض القرارات المهمة التي يجري اتخاذها تحتاج إلى الوقت قبل ظهور آثارها الإيجابية، ما يعكس إدراكاً لحجم التحديات التي يمكن أن ترافق الانتقال من نموذج اقتصادي استمر لعقود إلى نموذج مختلف في أدواته وأولوياته.
اقتصاد بـ50 مليار دولار
كشف الرئيس الشرع عن أرقام تعكس حجم الرهان الرسمي على تسارع التعافي، وقال إن حجم الاقتصاد السوري عند تحرير دمشق عام 2024 بلغ نحو 20 مليار دولار، قبل أن يرتفع إلى 32 ملياراً خلال عام 2025، فيما تتوقع الدولة وصوله إلى 50 مليار دولار خلال العام الجاري.
وتعكس هذه التقديرات سقفاً مرتفعاً للتوقعات الاقتصادية، يرتبط بجذب الاستثمارات وإعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية واستعادة ارتباط سوريا بالأسواق والأنظمة المالية الدولية، فيما يبقى انعكاس هذا النمو على فرص العمل والدخل ومستوى الخدمات والمعيشة أحد أبرز الاختبارات العملية لهذه المرحلة.
رفع العقوبات وإعادة الاتصال بالعالم
وصف الرئيس الشرع رفع العقوبات بأنه «ولادة جديدة لسوريا»، موضحاً أن بعض العقوبات يعود إلى عام 1979، وأن أجيالاً سورية كاملة نشأت من دون معرفة طبيعية بآليات التداول المالي والضمانات البنكية وغيرها من أدوات الاقتصاد الحديث.
ويضع هذا الواقع المؤسسات السورية والقطاع الخاص أمام مهمة تتجاوز استقطاب رؤوس الأموال، لتشمل إعادة بناء الخبرات المصرفية والمالية وتطوير بيئة الأعمال وإيجاد الأدوات القادرة على استيعاب الاستثمارات وتحويلها إلى نشاط اقتصادي مستدام.

الخليج في صدارة الفرص الاستثمارية
أبرز الرئيس الشرع أهمية الدول العربية والخليجية في مسار التعافي الاقتصادي، مشيراً إلى وجود فرص كبيرة أمام دول الخليج والدول المجاورة وأوروبا، ومتحدثاً عن مشاريع واستثمارات ضخمة يجري العمل عليها.
واستشهد بالإمارات باعتبارها من أوائل الدول التي دخلت إلى الفرص المتاحة في سوريا عبر استثمار موانئ دبي في ميناء طرطوس، في مؤشر إلى توجه يربط إعادة بناء الاقتصاد السوري بشبكة مصالح اقتصادية وتجارية إقليمية أوسع.
وأشار كذلك إلى القطاع الزراعي باعتباره أحد المجالات الواعدة، معتبراً أن تزويد الزراعة السورية بالتقنيات الحديثة يمكن أن يرفع قدرتها الإنتاجية ويمنحها دوراً في المساهمة بتحقيق الأمن الغذائي للمنطقة.
العروبة والانفتاح في السياسة الخارجية
ربط الرئيس الشرع توسع علاقات سوريا الخارجية بما وصفه بـ«المصداقية»، مؤكداً أن دمشق منفتحة على الجميع وتعتمد بصورة كبيرة على دعم الأشقاء العرب، بالتوازي مع بناء علاقات مع أطراف دولية متعددة.
وأكد أن سوريا تعمل مع الدول العربية لإيجاد مسارات تقلل من آثار الحروب القائمة وتحد من مخاطر توسعها، في ظل حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة، واضعاً التعاون العربي ضمن الأدوات الأساسية لحماية الاستقرار السوري والإقليمي.
الفرصة أمام اختبار النتائج
اختصر الرئيس أحمد الشرع رؤيته للمستقبل بالتأكيد أن سوريا ستكون بلداً قوياً يحقق نمواً اقتصادياً وعلمياً وفي مختلف مناحي الحياة، ويحفظ كرامة المواطن واستقلاليته وعزته، لتشكل هذه الرسالة الإطار الأوسع لما طرحه خلال حواره في دبي.
وتضع مجمل الرسائل التي حملها حديث الرئيس الشرع سوريا أمام مرحلة تقوم على إعادة بناء المؤسسات، وتثبيت الاستقرار، وتحريك الاقتصاد عبر الاستثمار والقطاع الخاص، واستعادة الحضور العربي والإقليمي والدولي، فيما يبقى الاختبار الأهم في قدرة هذه الرؤية على الانتقال من الأرقام والمشاريع المعلنة إلى نتائج ملموسة في الاقتصاد والخدمات وفرص العمل ومستوى معيشة السوريين.

المزيد...
آخر الأخبار