معالم من حمص: مقهى الروضة في حمص.. حكاية مكان تغيّر وبقي حاضراً في المدينة

العروبة – خاص

تتبدل الوجوه على طاولات مقهى الروضة في حمص، وتتغير معها أسباب المجيء إلى المكان، بين من يقصده لفنجان قهوة، ومن يلتقي فيه بأصدقائه، وآخرين ارتبطت زياراتهم بذكريات تمتد إلى عقود مضت، لكن المقهى الذي تأسس عام 1922 بقي حاضراً في الحياة اليومية للمدينة رغم التحولات التي طرأت عليه وعلى رواده.

 

وفي شارع شكري القوتلي، المعروف لدى أبناء حمص بـ«شارع السرايا»، حافظ الروضة على موقعه وسط الحركة التجارية وقرب الأسواق ومراكز النشاط، ليصبح بالنسبة إلى أجيال من رواده أكثر من محطة للجلوس، ويحمل كل منهم علاقة مختلفة بالمكان ترتبط بمرحلة من حياته أو بصورة من ذاكرة المدينة.

 

جلسة الأب التي بقيت مع الابن

 

بالنسبة إلى أبي تحسين، بدأت العلاقة مع الروضة في ثمانينيات القرن الماضي، عندما كان يرافق والده من إحدى قرى حمص إلى مركز المدينة.

 

ويروي لـ«العروبة» أن والده كان يصطحبه إلى المقهى بعد تسلم راتبه، ليجلسا حول طاولة النرد لبعض الوقت، فتحولت تلك الزيارات مع مرور السنوات إلى ذكريات مرتبطة لديه بصورة والده والمدينة معاً.

 

ومع تقدمه في العمر، أصبح أبو تحسين نفسه من رواد المقهى، لتستمر علاقته بالمكان التي بدأت في طفولته، ولكن بصورة مختلفة.

ولا تقتصر هذه العلاقة على أبناء حمص، إذ يعرف أبو تيسير، القادم من الحسكة، الروضة منذ أكثر من 25 عاماً، ويحرص على زيارته كلما جاء إلى المدينة، حيث يبدأ بعض مشاويره بفنجان قهوة قبل متابعة أعماله، كما عرّف ابنه وابن أخيه إلى المقهى.

جزء من يوم المدينة

ارتبط الروضة أيضاً بالحركة اليومية في وسط حمص، إذ جعله موقعه محطة قريبة من الأسواق والشوارع التجارية، يدخلها الرواد خلال تنقلهم في المدينة ثم يعودون إلى أعمالهم ومشاغلهم.

ووصف أبو جودت، أحد رواد المقهى، الروضة في حديثه لـ«العروبة» بأنه مكان بسيط وقريب من الناس، مشيراً إلى أن طبيعته المفتوحة وأشجاره وموقعه وسط المدينة منحته خصوصية وجعلته مقصداً لشرائح مختلفة.

ويبدأ أبو جودت يومه في السوق غالباً بفنجان قهوة في الروضة، ثم يغادر لإنجاز حاجاته قبل أن يعود إليه، في عادة تعكس جانباً من علاقة المقهى بمحيطه، بوصفه جزءاً من حركة الناس في وسط المدينة وليس مكاناً منفصلاً عنها.

ومع حلول المساء، تتغير حركة المقهى، فتزدحم الطاولات وتعلو أحاديث الرواد، بينما تبقى القهوة والنرجيلة جزءاً من مشهد اعتاده زواره، في جلسات تجمع الأخبار والذكريات واللقاءات اليومية.

حين كان الروضة ملتقى للأدب والفن

لم يقتصر حضور الروضة على جانبه الاجتماعي، إذ شغل خلال مراحل من تاريخه مساحة في المشهد الثقافي في حمص، واستقبل شعراء وأدباء وفنانين ومثقفين، وشهدت طاولاته جلسات ونقاشات تناولت الأدب والفن والشأن العام.

ويرتبط هذا الدور بتاريخ المكان الذي تأسس عام 1922 على أرض كانت منتزهاً عاماً، وضم جناحين صيفياً وشتوياً وتراساً، فيما احتضن القسم الشتوي في بداياته مسرحاً وداراً للأوبرا.

وتغيرت وظائف المقهى مع مرور السنوات، إلا أن تلك المرحلة بقيت جزءاً من تاريخه، وشاهداً على فترة كان فيها الروضة مساحة للقاءات الثقافية والفنية إلى جانب وظيفته الاجتماعية.

جيل جديد بعلاقة مختلف

بعد أكثر من قرن على تأسيسه، يستقبل الروضة جيلاً جديداً لا يحمل بالضرورة العلاقة ذاتها التي حملتها الأجيال السابقة مع المكان، إذ يقصده بعض الشباب اليوم للقاء الأصدقاء

وقال الشاب فراس، البالغ من العمر 25 عاماً، إنه لم يكن يعرف تاريخ الروضة الثقافي قبل أن يسمع عنه، إذ ارتبط المقهى بالنسبة إليه أساساً بالجلوس والتسلية مع أصدقائه.

وتعكس تجربته جانباً من التحول الذي شهده المكان؛ فالمقهى الذي ارتبط في مراحل سابقة بالشعراء والأدباء والفنانين ما يزال يستقطب الشباب، لكن بعادات واهتمامات مختلفة تواكب تغير أنماط الحياة والترفيه.

مكان عبر مراحل مختلفة

لم تكن رحلة الروضة خلال أكثر من قرن مستقرة، إذ مر المقهى بفترات وتحولات عدة، من الإغلاق خلال فترة الانتداب الفرنسي إلى الأضرار التي لحقت به خلال سنوات الحرب في حمص، قبل ترميمه وإعادة افتتاحه.

وتكشف حكايات رواده المتعاقبين أن قيمة المكان لا ترتبط بعمره فقط، وإنما بما راكمه من علاقات وذكريات ووظائف مختلفة؛ من فضاء للفن والأدب إلى محطة يومية لأبناء المدينة وزوارها، وصولاً إلى مساحة ترفيهية تستقبل جيلاً جديداً.

وبين طاولة كان يجلس إليها الأب مع ابنه قبل عقود، وشاب يدخل الروضة اليوم للقاء أصدقائه، تتغير تفاصيل المقهى كما تتغير المدينة من حوله، بينما يبقى استمراره لأكثر من قرن شاهداً على قدرة بعض الأماكن على الاحتفاظ بحضورها، حتى وإن تغيرت الحكايات التي تدور داخلها.

المزيد...
آخر الأخبار
هيئة المواصفات السورية تعمل على تحديث 5 آلاف مواصفة قياسية لتعزيز جودة المنتجات المحلية بمشاركة 18 وفداً عربياً.. دمشق تستضيف إطلاق التقرير السنوي للحريات الصحفية في يوم الأغذية العالمي.. وزارة الاقتصاد توضح إجراءات الرقابة على سلامة الغذاء في سوريا السعودية تعفي حجاجاً ومعتمرين سوريين متخلفين عن المغادرة من رسوم الإقامة مواجهة خطاب الكراهية في سوريا.. خبير يدعو إلى تنظيم الإعلام والرصد المبكر وخطط توعية طويلة الأمد مجزرة البيضا تعود إلى الواجهة بعد اعتقال معراج أورال.. جرائم موثقة تنتظر المحاسبة بعد القبض على معراج أورال.. حقوقي يطالب بالتحقيق في مسؤوليته المحتملة عن مجزرة الحولة باحثان من هيئة الطاقة الذرية السورية ضمن أعلى 2% من العلماء الأكثر تأثيراً عالمياً سوريا تعلن بدء تدمير مواد كيميائية مكتشفة والاتحاد الأوروبي يشيد بتقدمها في نزع السلاح العروبة تتحقق: آثار حمص تنفي تعرض دار مفيد الأمين للتخريب أو التنقيب الأثري