الأطفال لا يتعلمون القيم بالكلمات وحدها.. الأسرة والمدرسة أمام مسؤولية بناء الإنسان

العروبة – خاص

 

تواجه الأسرة اليوم تحديات متزايدة في تنشئة أطفال يتحلون بالتعاطف ويحترمون الآخرين ويرفضون العنف والتنمر، في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية واتساع تأثير المحتوى الرقمي، ما يطرح تساؤلات حول دور الأسرة والمدرسة والإعلام في بناء شخصية متوازنة، وتحويل القيم الإنسانية من توجيهات نظرية إلى ممارسات يومية.

 

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في مرحلة الطفولة، حين تتشكل العادات والسلوكيات الأولى، ويتأثر الطفل بما يشاهده داخل أسرته ومدرسته، وبالمحتوى الذي يتابعه عبر الشاشات، الأمر الذي يجعل القدوة والتوجيه والحوار عناصر أساسية في التربية.

 

وأكد الاختصاصي النفسي ومدير منصة «عافيتي للاستشارات النفسية» صلاح الدين لكه، في تصريح لـ«العروبة»، أن الطفل يمتلك استعداداً فطرياً للتعاطف والتراحم والطيبة، لكنه يحتاج إلى بيئة تساعد هذه الاستعدادات على النمو والتحول إلى سلوك فعلي.

 

وأوضح أن التربية لا تقوم على فرض القواعد أو إلزام الطفل بتنفيذها خوفاً من العقاب، بل على مساعدته في فهم معانيها والاقتناع بها، حتى يصبح احترام الآخرين والتعاون معهم جزءاً من شخصيته.

 

وشدد على أهمية الانتباه المبكر إلى السلوكيات غير المعتادة، مثل العنف المفرط أو استخدام عبارات لا تتناسب مع عمر الطفل، والبحث عن أسبابها وتقديم الدعم المناسب، مع الاستعانة بالمختصين عند الحاجة.

 

الأسرة.. القدوة تسبق التوجيه

 

أوضح لكه أن الطفولة المبكرة تمثل مرحلة أساسية في تكوين شخصية الطفل وعاداته، ولا سيما خلال السنوات الخمس إلى السبع الأولى، إذ يعتمد بدرجة كبيرة على الملاحظة والمحاكاة والتقليد في اكتساب السلوكيات.

 

وبيّن أن الطفل الذي يشاهد والديه يتعاملان باحترام ويتحاوران بهدوء ويتعاونان في مواجهة المشكلات، يتعلم بصورة عملية أساليب التواصل الإيجابي والتعامل مع الآخرين.

 

في المقابل، قد ينعكس تعرض الطفل المتكرر للصراخ والإهانة والعنف اللفظي أو الجسدي داخل المنزل على طريقة تعامله مع زملائه ومعلميه ومحيطه الاجتماعي.

 

وأكد لكه أهمية التوافق بين ما يطلبه الأهل من أطفالهم وما يمارسونه أمامهم، موضحاً أن مطالبة الطفل باحترام الآخرين تفقد أثرها عندما يشاهد سلوكيات تنتقص من كرامتهم، كما يصعب تعليمه الحوار إذا لم يُتح له التعبير عن رأيه ومشاعره.

 

فهم المشاعر بدلاً من قمعها

 

لفت لكه إلى أن التربية السليمة لا تقتصر على ضبط السلوك الظاهر، بل تشمل أيضاً فهم الحالة النفسية للطفل ومساعدته على التعامل مع مشاعره.

 

وأوضح أن الحزن والخوف والغضب مشاعر طبيعية، تحتاج إلى الاحتواء والتوجيه، بدلاً من التوبيخ أو العقاب لمجرد التعبير عنها.

 

وأشار إلى أن الإصغاء إلى الطفل ومساعدته على فهم مشاعره والتعبير عنها بصورة مناسبة يعززان قدرته على تفهم مشاعر الآخرين والتفاعل معهم بإيجابية.

 

وحذّر من تأجيل التربية والتوجيه إلى مراحل عمرية متقدمة، حين تكون بعض العادات قد ترسخت وأصبح تعديلها أكثر صعوبة، مؤكداً ضرورة مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال في الطباع والحساسية ودرجة الاجتماعية، واختيار الأساليب التربوية الملائمة لكل طفل.

 

المدرسة.. مساحة لممارسة القيم

 

أكد لكه أن المدرسة تؤدي دوراً مكملاً للأسرة في تنمية القيم الإنسانية، إذ تمنح الطفل فرصة لتطبيق ما تعلمه داخل المنزل في بيئة اجتماعية أوسع.

 

وأوضح أن الصفوف الدراسية وساحات اللعب والأنشطة المدرسية تتيح للأطفال تعلم المشاركة واحترام الدور وتقبل الاختلاف والعمل الجماعي، بما يساعدهم على اكتساب مهارات اجتماعية مهمة.

 

وأشار إلى أن ترسيخ قيم التعاون والتعاطف يتطلب الانتقال من شرح المفاهيم نظرياً إلى إتاحة فرص عملية لممارستها، من خلال الألعاب الجماعية والأنشطة الفنية ومساعدة الزملاء والمشاركة في الأعمال المشتركة.

 

ودعا إلى تحقيق التوازن بين تشجيع التفوق الفردي وتنمية روح الفريق، بحيث لا يقتصر اهتمام الطفل على الفوز أو الحصول على المكافآت، بل يتعلم تقدير المشاركة والإنجاز الجماعي واحترام الآخرين.

 

وبيّن أن تعزيز روح التعاون لا يعني إلغاء شخصية الطفل أو الحد من استقلاليته، وإنما مساعدته على التعبير عن آرائه واهتماماته، مع احترام حقوق الآخرين ومشاعرهم.

 

المعلم قدوة تربوية

 

شدد لكه على أهمية دور المعلم في ترسيخ السلوك الإيجابي، باعتباره نموذجاً يتأثر به الأطفال في تعاملهم مع زملائهم ومحيطهم المدرسي.

 

وأوضح أن طريقة تعامل المعلم مع الطلاب، وإدارته للخلافات داخل الصف، واحترامه للفروق الفردية بينهم، تسهم في تشكيل فهمهم للعدل والاحترام والحوار.

 

وأشار إلى أن الإدارة المدرسية والمرشد النفسي يؤديان دوراً مهماً في متابعة المشكلات السلوكية والانفعالية، والتدخل المبكر لمعالجتها قبل تفاقمها.

 

الشاشات.. تأثير يتجاوز الترفيه

 

لفت لكه إلى أن الأسرة والمدرسة لم تعودا المصدرين الوحيدين اللذين يستقي منهما الطفل سلوكياته وأفكاره، مع الحضور الواسع للشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي في حياته اليومية.

 

وأوضح أن المحتوى الرقمي يتيح للأطفال التعرف إلى تجارب ومعارف متنوعة، لكنه قد يعرضهم أيضاً لمواد عنيفة أو مؤذية أو غير ملائمة لأعمارهم وقدرتهم على الاستيعاب.

 

وأكد أهمية متابعة ما يشاهده الأطفال وتنظيم أوقات استخدام الشاشات بما يتناسب مع أعمارهم، وعدم تركهم أمام الإنترنت دون إشراف مناسب، ولا سيما في المراحل العمرية المبكرة.

 

وحذّر من استحواذ المقاطع القصيرة والسريعة، مثل مقاطع «ريلز»، على أوقات طويلة من يوم الطفل، على حساب اللعب والحركة والرياضة والتفاعل المباشر مع الآخرين وتنمية المواهب.

 

وأشار إلى أن المشكلة لا تتعلق بالشاشات بحد ذاتها، بل بطبيعة المحتوى ومدة التعرض له والأنشطة التي يحل محلها، ما يستدعي الجمع بين المتابعة والحوار والتوجيه وتوفير بدائل مفيدة وممتعة.

 

العنف والتنمر.. البحث عن الأسباب قبل العقاب

 

أكد لكه أن ظهور سلوكيات مثل التنمر أو الإيذاء أو العنف اللفظي والجسدي يستدعي التعامل معها بوصفها مؤشرات تحتاج إلى الفهم والمتابعة، بدلاً من الاكتفاء بمعاقبة الطفل.

 

وأوضح أن بعض هذه السلوكيات قد يرتبط بعوامل أسرية أو اجتماعية أو تربوية، الأمر الذي يتطلب البحث في الظروف المحيطة بالطفل، وتحديد الأسباب المحتملة، واختيار التدخل المناسب.

 

وشدد على أهمية التعاون بين الأسرة والمدرسة في متابعة السلوكيات غير المعتادة، وتقديم الإرشاد والدعم النفسي عند الضرورة، بما يساعد الطفل على تعديل سلوكه وتطوير مهاراته في التعامل مع الآخرين.

 

الإرشاد النفسي المدرسي.. دور يحتاج إلى تعزيز

 

بيّن لكه أن الإرشاد النفسي المدرسي يمثل حلقة وصل مهمة بين الطفل والأسرة والمعلمين والإدارة المدرسية، ويسهم في متابعة المشكلات السلوكية والانفعالية وتقديم الدعم المناسب.

 

وأشار إلى أن فاعلية هذا الدور تتطلب توفير الوقت والموارد اللازمة لمتابعة الحالات الفردية، والتواصل مع الأهالي، ووضع خطوات تربوية ونفسية تتناسب مع احتياجات الأطفال.

 

ودعا إلى تقييم واقع الإرشاد النفسي في المدارس السورية، ولا سيما في ظل تكليف بعض المرشدين النفسيين بمهام إضافية، مثل الإشراف على الأنشطة الصفية واللاصفية، وما قد يترتب على ذلك من تقليص الوقت المخصص للمتابعة والإرشاد.

 

وأكد أهمية التعاون المستمر بين الأسرة والمدرسة، من خلال تبادل الملاحظات حول سلوك الطفل وفهم الظروف المحيطة به، والاتفاق على أساليب تربوية متكاملة تساعده على تجاوز الصعوبات وتعزز شعوره بالأمان والانتماء.

 

مسؤولية تتجاوز الأسرة والمدرسة

 

أوضح لكه أن تنمية القيم الإنسانية لدى الأطفال مسؤولية مشتركة، لا تقتصر على الأهل والمعلمين، بل تشمل المؤسسات الصحية والاجتماعية والدينية والأندية الرياضية ووسائل الإعلام.

 

وبيّن أن هذه الجهات تستطيع الإسهام في نشر ثقافة الاحترام والتراحم والتعاون، وتوفير بيئات آمنة تساعد الأطفال على اكتساب المهارات الاجتماعية والتعبير عن أنفسهم.

 

وأشار إلى ضرورة مراعاة الظروف المعيشية والنفسية التي تحيط بالأطفال وأسرهم، إذ قد تؤثر الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وأعباء العمل في الوقت المتاح للتواصل مع الأطفال ومتابعتهم.

 

وأكد أن تحسين ظروف المعيشة والعمل، وتعزيز خدمات الدعم النفسي والتربوي، وتوفير محتوى إعلامي مسؤول، تمثل عوامل مساندة لتنشئة أكثر استقراراً وتوازناً.

 

ويبقى تكامل أدوار الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات المجتمعية أساساً لترسيخ التعاطف والتعاون ونبذ العنف والتنمر، بما يساعد على تنشئة أطفال قادرين على بناء علاقات إنسانية قائمة على الاحترام والتفاهم.

المزيد...
آخر الأخبار