تشكل أقسام العناية المشددة خط الدفاع الأخير لإنقاذ المرضى في الحالات الحرجة، إذ تتطلب تجهيزات متخصصة وكوادر طبية مؤهلة ومتابعة دقيقة على مدار الساعة. وفي محافظة حمص، ما تزال هذه الأقسام تواجه تحديات متعددة تتعلق بزيادة الطلب على خدماتها مقابل محدودية الأسرة والتجهيزات والكوادر، الأمر الذي يضع المشافي العامة أمام ضغوط متزايدة.
ضغط متزايد على المشافي العامة
أوضح مدير مشفى كرم اللوز الدكتور نزار رستم في تصريح لـ«العروبة» أن عدد أسرة العناية المشددة في المشافي العامة بالمحافظة يتراوح بين 60 و70 سريراً، موزعة بين العنايات الإسعافية والجراحية والقلبية، مبيناً أن هذا العدد لم يعد كافياً لتلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان، خاصة مع عودة أعداد كبيرة من الأسر إلى المحافظة خلال السنوات الأخيرة.
وأشار رستم إلى وجود نقص في أطباء اختصاص الطوارئ والعناية المشددة، الأمر الذي انعكس على جاهزية بعض المشافي، ولا سيما في مناطق الريف، إضافة إلى الحاجة المستمرة لتأمين كوادر فنية مدربة وتجهيزات حديثة تشمل أجهزة التنفس الاصطناعي والمراقبة الطبية والمحاقن الآلية والأدوية التخصصية.
وأضاف أن معظم الأجهزة المستخدمة حالياً تحتاج إلى تحديث، في وقت تشهد فيه المشافي العامة ضغطاً متواصلاً نتيجة الإقبال الكبير عليها وارتفاع تكاليف العلاج في القطاع الخاص، ما يؤدي أحياناً إلى امتلاء جميع الأسرة المتاحة وعدم القدرة على استقبال حالات جديدة.
آلية دقيقة لاستقبال الحالات الحرجة
وبيّن رستم أن المرضى يصلون إلى أقسام العناية المشددة إما عبر أقسام الإسعاف أو من خلال تحويلات قادمة من مشافٍ أخرى، حيث تخضع كل حالة لتقييم طبي شامل يحدد مدى حاجتها للرعاية المركزة قبل قبولها.
وأوضح أن المرضى المقبولين يتلقون رعاية مستمرة بإشراف اختصاصيي العناية المشددة، وبمشاركة الأطباء المقيمين وفنيي العناية، ضمن خطط علاجية ومراقبة دقيقة للحالة الصحية على مدار الساعة.
خطط لتطوير الخدمات
وأكد مدير مشفى كرم اللوز أن وزارة الصحة ومديرية الصحة تعملان على دعم أقسام العناية المشددة من خلال تزويد المشافي بتجهيزات جديدة وتأمين عدد من الأدوية النوعية، إضافة إلى تنفيذ خطط لإعادة تأهيل الأقسام القائمة وتطويرها وتزويدها بالأجهزة الحديثة والكوادر المتخصصة.
الكلفة تحد من اللجوء إلى القطاع الخاص
من جانبه، أوضح مدير مشفى الأهلي الدكتور سعيد عيسى أن ارتفاع تكاليف العلاج في المشافي الخاصة يعد من أبرز الأسباب التي تدفع المرضى إلى التوجه نحو المشافي العامة، خاصة في الحالات التي تحتاج إلى فترات علاج طويلة أو متابعة مكثفة.
وأشار إلى أن المشافي الخاصة تمتلك تجهيزات متطورة وخدمات متقدمة، إلا أن تشغيل أقسام العناية المشددة يتطلب نفقات كبيرة تشمل شراء وصيانة الأجهزة الطبية وتأمين الأوكسجين والمواد الطبية وإجراء الفحوص المخبرية والشعاعية، إلى جانب أجور الكوادر الطبية والتمريضية المتخصصة.
وأضاف أن قدرة القطاع الخاص على استيعاب أعداد أكبر من المرضى تبقى مرتبطة بقدرتهم المادية، ما يجعل الاستفادة من هذه الخدمات محدودة بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين.
الحاجة إلى تكامل الجهود
وأكد عيسى أهمية تعزيز التعاون والتنسيق بين القطاعين العام والخاص، ولا سيما في ما يتعلق بتحويل المرضى واستمرار الرعاية الطبية، بما يضمن تقديم الخدمة بالشكل الأمثل وتحقيق الاستفادة من الإمكانات المتاحة لدى الطرفين.
إشغال كامل للعنايات المشددة
بدوره، أوضح مدير المشافي في محافظة حمص ومعاون مدير الصحة الدكتور محمد الرئيس أن نسب إشغال أسرة العناية المشددة في المشافي العامة والخاصة وصلت إلى 100 بالمئة، ما يعكس حجم الضغط الكبير الذي تتعرض له هذه الأقسام.
وأشار إلى أن عدد المرضى الذين راجعوا أقسام العناية المشددة خلال الأشهر الأربعة الماضية بلغ 2898 مريضاً، مؤكداً استمرار العمل على تعزيز جاهزية المشافي وتأمين احتياجاتها.
وأضاف أن مشفى حمص الكبير زُوّد مؤخراً بجهاز الغسيل الكلوي المستمر (CRRT) المخصص لمرضى العناية المشددة، في خطوة تسهم في تطوير الخدمات المقدمة للحالات الحرجة وتحسين مستوى الرعاية الصحية.
التأمين الصحي ضرورة ملحة
وفي ظل ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، يبقى التأمين الصحي عاملاً أساسياً في تمكين المرضى من الوصول إلى الخدمات الطبية المتخصصة، خاصة في الحالات التي تتطلب إقامة طويلة ضمن أقسام العناية المشددة.
ومع استمرار الضغط على القطاع الصحي، تبرز الحاجة إلى توسيع الطاقة الاستيعابية لهذه الأقسام، وتأهيل المزيد من الكوادر المتخصصة، وتعزيز التكامل بين المشافي العامة والخاصة، بما يضمن حصول المرضى على الرعاية اللازمة في الوقت المناسب، ويحسن مستوى الخدمات الصحية المقدمة للحالات الحرجة في محافظة حمص.
العروبة – رهف قمشري