العروبة – أحمد نور
تضع قضية وفاة الشاب محمد حسام الدين غميرة في اللاذقية، المؤسسات الأمنية والقضائية أمام اختبار يتجاوز ملابسات الواقعة إلى كيفية التعامل معها، وسط اهتمام شعبي واسع يترقب نتائج التحقيقات والإجراءات التي بدأت قبل إعلان وفاته، والمحاسبة التي ستطال كل من تثبت مسؤوليته عن أي انتهاك أو تقصير.
وكانت باشرت الجهات المعنية متابعة القضية منذ تدهور الحالة الصحية لغميرة ونقله إلى العناية المشددة، فيما تدخل محافظ اللاذقية أحمد علي مصطفى، وصدرت توجيهات بفتح تحقيق رسمي في ملابسات ما جرى، بالتوازي مع متابعة قيادة الأمن الداخلي للقضية.
وأعلنت قيادة الأمن الداخلي في اللاذقية لاحقاً، في سياق وصفته بأنه “استكمال للإجراءات المتخذة”، توقيف سبعة أشخاص كانوا موجودين في النظارة وقت وقوع الحادثة، ووضعهم على ذمة التحقيق، بناء على نتائج عمل اللجنة المختصة المشكلة لمتابعة ملابسات القضية.
ويؤكد التسلسل الزمني للإجراءات أن التحرك الرسمي في القضية سبق إعلان وفاة غميرة، وأن الوفاة جاءت بينما كانت التحقيقات والإجراءات قائمة، وهو ما يكتسب أهمية في ظل تداول روايات ربطت بدء تحرك الجهات المختصة بوفاة الشاب.
في سياق الجدل الحاصل، أكد وزير الداخلية أنس خطاب أن أي مخالفة أو تجاوز يثبت ارتكابه من قبل عناصر الوزارة سيواجه بإجراءات حازمة وفق القانون، مشدداً على أن كل مخالف سينال جزاءه العادل أياً كان، فور استكمال التحقيقات الجارية في قضية الشاب محمد غميرة، وتقدم خطاب بالتعازي والمواساة إلى عائلة غميرة وذويه، سائلاً الله أن يتغمده بواسع رحمته ويلهم أسرته الصبر والسلوان.
ويتركز الاختبار الأساسي أمام الجهات المعنية على قدرة التحقيق على تحديد ما حدث داخل مكان التوقيف، وكيف تعرض غميرة للتدهور الصحي الذي انتهى بوفاته، وتحديد المسؤوليات بصورة فردية وفق الأدلة، ثم إحالة من تثبت مسؤوليته إلى القضاء.
وتبقى طبيعة ما تعرض له الشاب وأسباب الإصابات والتدهور الصحي الذي سبق وفاته مسائل يتعين أن تحسمها التحقيقات الطبية والقضائية، ما يجعل توصيف الواقعة بصورة نهائية قبل صدور نتائجها استباقاً لما ستخلص إليه الجهات المختصة.
وتكشف طريقة التعامل مع القضية عن معيار أساسي في تقييم أداء المؤسسة الأمنية الجديدة، يتمثل في قدرتها على التحقيق في اتهامات تطال أشخاصاً يعملون ضمن منظومتها، وعدم توفير الحماية لأي شخص يثبت تجاوزه للقانون.
ويعني بناء مؤسسة أمنية خاضعة للقانون أن وقوع انتهاك محتمل يستدعي التحقيق والتوثيق وتحديد المسؤوليات والمحاسبة، وأن حماية سمعة المؤسسة تتحقق من خلال كشف الخطأ ومعالجته عندما يثبت، وليس من خلال حجبه أو الدفاع عن مرتكبه.
ويحمل توقيف سبعة أشخاص على ذمة التحقيق دلالة في هذا الاتجاه، مع بقاء قرينة البراءة قائمة إلى أن تنتهي التحقيقات ويحدد القضاء مسؤولية كل شخص، إذ يمثل التوقيف إجراءً للتحقيق وليس حكماً بالإدانة.
كما يزيد إرث أجهزة نظام الأسد البائد من حساسية أي واقعة تقع داخل مراكز الاحتجاز، بعدما ارتبطت تلك الأجهزة على مدى عقود بالتعذيب والقتل والإخفاء القسري والاعتقال التعسفي، وسط غياب المساءلة عن انتهاكات واسعة بحق السوريين.
ويجعل هذا الإرث الشفافية في التعامل مع أي ادعاء بانتهاك داخل مركز أمني ضرورة لبناء الثقة، لأن القطيعة مع ممارسات الماضي تقاس بوجود تحقيق فعلي ورقابة ومحاسبة، وبقدرة المواطن على معرفة ما حدث ومن يتحمل المسؤولية عندما يقع تجاوز.
ويترقب السوريون اليوم ما ستنتهي إليه التحقيقات أكثر من البيانات الأولية، إذ ستحدد النتائج حقيقة ما تعرض له محمد غميرة، والمسؤوليات المرتبطة بوفاته، ومدى قدرة آليات المحاسبة داخل المؤسسات الجديدة على التعامل مع قضية تحولت إلى رأي عام.
يشكل نشر نتائج التحقيق بشفافية، وإحالة أي شخص تثبت مسؤوليته إلى القضاء، وضمان حقوق عائلة غميرة، خطوة أساسية لترسيخ مفهوم مختلف للعمل الأمني، يقوم على أن المؤسسة تحمي المجتمع وتخضع هي وأفرادها للقانون في الوقت نفسه.
ويبقى معيار نجاح التعامل مع قضية محمد غميرة مرتبطاً بما ستقوله التحقيقات وما سيترتب عليها، فالمؤسسات لا تُختبر بغياب الأخطاء والتجاوزات بصورة مطلقة، وإنما بوجود منظومة تمنعها قدر الإمكان، وتكشفها عندما تقع، وتحاسب المسؤول عنها وفق القانون، وتضمن عدم تحولها إلى ممارسة تحظى بالحصانة أو الإفلات من المساءلة.
المزيد...