من قلب البادية.. تدمر تروي حكاية حضارة عبرت حدود الشرق والغرب

تختزن تدمر بين أعمدتها الشامخة وواحتها الخضراء الممتدة في قلب البادية السورية، ذاكرة واحدة من أعرق الحضارات التي ازدهرت في المنطقة، إذ صنعت المدينة عبر موقعها ومعالمها وتاريخها حضوراً تجاوز حدود المكان، لتغدو جسراً تجارياً وحضارياً وفنياً جمع الشرق بالغرب على مدى قرون.
وأكد المهندس رامي الدويري، عضو الجمعية التاريخية السورية، في تصريح لـ«العروبة»، أن مدينة تدمر (Palmyra) تُعد من أبرز المدن الأثرية والتاريخية في العالم، موضحاً أنها استمدت أهميتها من موقعها الاستراتيجي في واحة تتوسط البادية السورية، ما جعلها محطة رئيسية على طرق التجارة القديمة، ولا سيما تلك التي ربطت مناطق الشرق بالغرب.
وأوضح الدويري أن المدينة امتلكت تخطيطاً معمارياً فريداً، جمع بين التأثيرات اليونانية والرومانية والخصوصية الشرقية، وهو تمازج تجسد في معالمها التي ما زالت تحمل ملامح المدينة القديمة، وتروي فصولاً من تاريخها الحضاري.
ويبرز الشارع المستقيم، أو شارع الأعمدة التدمرية، في مقدمة تلك المعالم، إذ يمتد لأكثر من كيلومتر وتصطف على جانبيه أعمدة ضخمة ذات تيجان مميزة، فيما كانت تتوزع بينها محاريب خُصصت لتماثيل شخصيات بارزة في المدينة، بما يعكس جانباً من مكانتها السياسية والاجتماعية والفنية.
ويشكل قوس النصر، أو الممر التذكاري، معلماً بارزاً آخر في المشهد المعماري التدمري، إذ كان يمثل نقطة وصل بين الشارع الرئيسي وحرم معبد بل، فيما يحتل المسرح التدمري مكانة مهمة بين معالم المدينة، بوصفه أحد المسارح الرومانية البارزة، واحتضن الفعاليات الثقافية والاحتفالات، وكان يتسع لآلاف المتفرجين.
ويضاف إلى ذلك التترابيلون، وهو صرح معماري قائم عند تقاطع الشوارع الرئيسية، ويضم مجموعة من الأعمدة التي شكلت نقطة بارزة في المشهد العمراني للمدينة القديمة، إلى جانب المقابر التدمرية التي تنوعت بين البرجية والأرضية والمدفونة، واشتهرت بمنحوتاتها الجنائزية التي تكشف جوانب من الحياة الاجتماعية والفنية في تدمر القديمة.
وبلغت تدمر ذروة قوتها وازدهارها خلال القرن الثالث الميلادي، ولا سيما في عهد الملك أذينة وزوجته الملكة زنوبيا، المعروفة باسم «بات زباي»، التي قادت المدينة إلى مرحلة من القوة والنفوذ السياسي والعسكري في مواجهة النفوذ الروماني، ووسعت نطاق سيطرتها ليشمل مصر وأجزاء واسعة من الأناضول ومناطق من الشرق الأوسط، قبل أن يحاصرها الرومان عام 272 ميلادية.
وتبقى تدمر اليوم أكثر من مجرد أطلال حجرية تختزن آثار الماضي، فهي ذاكرة حضارية حية تشهد على قرون من التفاعل بين الحضارات والثقافات، فيما تواصل أعمدتها وشوارعها ومسارحها ومقابرها رواية حكاية مدينة ازدهرت في قلب الصحراء، وصنعت لنفسها مكانة بارزة في تاريخ المنطقة.
وتجمع «عروس البادية السورية» بين خصوصية موقعها وسحر طبيعتها وعظمة إرثها الإنساني، لتظل شاهدة على حضارة تركت بصمتها في قلب البادية، وحملت عبر طرق التجارة وفنون العمارة ملامح لقاء تاريخي بين الشرق والغرب.

المزيد...
آخر الأخبار