العروبة – خاص
تبدأ مقاومة الإنسولين قبل ظهور داء السكري من النمط الثاني بسنوات، دون أن تترافق مع أعراض واضحة، ما يجعل الكشف عن عوامل الخطورة وإجراء الفحوص المناسبة من الإجراءات المهمة للحد من تطور الاضطرابات الاستقلابية المرتبطة بها.
وأكدت رئيسة برنامج داء السكري في صحة حمص، الدكتورة صفاء الناصر، في تصريح لـ«العروبة»، أن مقاومة الإنسولين ترتبط بزيادة احتمال الإصابة بمرحلة ما قبل السكري وداء السكري من النمط الثاني، إضافة إلى اضطرابات صحية أخرى، من بينها المتلازمة الاستقلابية وتشحم الكبد واضطرابات الدهون في الدم.
وأوضحت أن التعامل مع هذه الحالة يعتمد بصورة أساسية على تعديل نمط الحياة، من خلال تحسين العادات الغذائية وممارسة النشاط البدني وضبط الوزن، إلى جانب التقييم الطبي لتحديد الحاجة إلى الفحوص أو العلاج الدوائي.
كيف تحدث مقاومة الإنسولين؟
بيّنت الناصر أن الإنسولين هرمون يفرزه البنكرياس، ويساعد خلايا الجسم على الاستفادة من الغلوكوز وتنظيم مستواه في الدم.
وتحدث مقاومة الإنسولين عندما تنخفض استجابة خلايا الجسم لهذا الهرمون، ولا سيما الخلايا العضلية والكبدية والدهنية، ما يجعل الاستفادة من الغلوكوز أقل فعالية.
وأشارت إلى أن البنكرياس يحاول التعويض عن ضعف الاستجابة من خلال زيادة إفراز الإنسولين، للمحافظة على مستويات سكر الدم ضمن الحدود المناسبة.
لكن استمرار المقاومة لفترات طويلة قد يؤدي إلى إجهاد البنكرياس وتراجع قدرته على إنتاج الكميات الكافية من الهرمون، الأمر الذي يزيد احتمال ارتفاع سكر الدم وتطور مرحلة ما قبل السكري، ثم الإصابة بداء السكري من النمط الثاني.
وأكدت أن هذه التغيرات قد تبدأ قبل تشخيص السكري بسنوات، وهو ما يفسر أهمية الانتباه إلى عوامل الخطورة حتى في غياب الأعراض الواضحة.
علامات قد تشير إلى وجود مقاومة الإنسولين
أوضحت الناصر أن مقاومة الإنسولين قد لا تسبب أعراضاً محددة في مراحلها الأولى، إلا أن التقييم السريري قد يكشف علامات تساعد الطبيب على الاشتباه بوجودها.
ومن أبرز هذه العلامات زيادة الدهون في منطقة البطن وارتفاع محيط الخصر، إضافة إلى الشعور بالخمول والنعاس بعد تناول الطعام، والرغبة الملحة في تناول الحلويات.
كما أشارت إلى ظهور تصبغات جلدية داكنة ذات ملمس مخملي، ولا سيما في منطقتي الرقبة والإبطين، وهي حالة تعرف باسم «الشواك الأسود»، وقد ترتبط بمقاومة الإنسولين.
وبيّنت أن وجود هذه العلامات لا يكفي وحده لتأكيد الإصابة، وإنما يستدعي تقييم الحالة الصحية وعوامل الخطورة وإجراء الفحوص التي يراها الطبيب مناسبة.
من هم الأكثر عرضة للإصابة؟
لفتت رئيسة برنامج داء السكري إلى أن زيادة الوزن والبدانة، ولا سيما تراكم الدهون في منطقة البطن، من أبرز العوامل المرتبطة بمقاومة الإنسولين.
وتشمل عوامل الخطورة أيضاً قلة النشاط البدني، واتباع نظام غذائي غير صحي، والتدخين، إلى جانب التاريخ العائلي للإصابة بداء السكري.
وأضافت أن بعض الأدوية، ومنها الكورتيزونات، قد تؤثر في استجابة الجسم للإنسولين، كما يمكن أن ترتبط المقاومة ببعض الاضطرابات الغدية، مثل متلازمة كوشينغ.
وتُعد النساء المصابات بمتلازمة المبيض متعدد الكيسات من الفئات التي تستدعي اهتماماً خاصاً عند تقييم احتمال وجود مقاومة الإنسولين.
وأكدت الناصر أهمية النظر إلى هذه العوامل مجتمعة عند تحديد الحاجة إلى المتابعة والفحوص، بدلاً من الاعتماد على عرض واحد أو تحليل منفرد.
كيف تُشخّص مقاومة الإنسولين؟
أوضحت الناصر أن التشخيص يبدأ بالتقييم السريري، الذي يشمل مراجعة التاريخ الصحي والعائلي، ودراسة عوامل الخطورة والعلامات التي قد تشير إلى اضطراب استجابة الجسم للإنسولين.
وقد يطلب الطبيب مجموعة من الفحوص المخبرية، أبرزها قياس سكر الدم الصيامي، والهيموغلوبين السكري التراكمي، واختبار تحمل الغلوكوز، بهدف تقييم مستوى سكر الدم والكشف عن مرحلة ما قبل السكري أو الإصابة بالسكري.
وبيّنت أن تحليل HOMA-IR يُستخدم لتقدير مقاومة الإنسولين بالاعتماد على قياس سكر الدم والإنسولين أثناء الصيام.
غير أنها شددت على أن هذا التحليل لا يكفي بمفرده لتأكيد التشخيص، وأن نتائجه يجب أن تُفسر بالاستناد إلى الحالة السريرية وبقية الفحوص.
وحذّرت من إجراء تحليل HOMA-IR بصورة عشوائية أو الاعتماد على نتيجته وحدها دون استشارة طبية، مؤكدة أن اختيار الفحوص المناسبة يرتبط بتقييم الطبيب لكل حالة.
الغذاء ودوره في تحسين استجابة الجسم للإنسولين
أكدت الناصر أن تعديل النظام الغذائي يمثل أحد أهم الإجراءات لتحسين مقاومة الإنسولين والحد من تطورها.
وأوصت باتباع نظام غذائي متوازن، والحد من السكريات المكررة، والتخفيف من النشويات المكررة، مثل الدقيق الأبيض والأرز الأبيض.
كما شددت على أهمية تناول الأغذية الغنية بالألياف، وإدراج مصادر الدهون الصحية ضمن النظام الغذائي بكميات معتدلة.
وأشارت إلى إمكانية الاستفادة من أنظمة غذائية مدروسة، مثل حمية البحر الأبيض المتوسط، التي تعتمد على التنوع الغذائي والتوازن بين المجموعات الغذائية.
وفيما يتعلق بالصيام المتقطع، أوضحت أن ملاءمته تختلف بحسب الحالة الصحية، وأن اختياره ينبغي أن يتم وفق تقييم مناسب وتحت إشراف مختص عند الحاجة.
وبيّنت أن الهدف من تعديل الغذاء لا يقتصر على خفض الوزن، بل يشمل تحسين استجابة الجسم للإنسولين والمساعدة على تنظيم مستويات السكر في الدم.
150 دقيقة من النشاط البدني أسبوعياً
شددت الناصر على أهمية ممارسة النشاط البدني بانتظام، باعتباره من الإجراءات الأساسية لتحسين حساسية الخلايا للإنسولين.
وأوصت بممارسة نشاط بدني متوسط الشدة لمدة لا تقل عن 150 دقيقة أسبوعياً، ويمكن تحقيق ذلك من خلال المشي السريع لمدة 30 دقيقة يومياً، خمسة أيام في الأسبوع.
وأوضحت أن النشاط البدني المنتظم يساعد الجسم على الاستفادة من الغلوكوز بصورة أفضل، ويسهم في ضبط مستويات سكر الدم وتحسين الصحة الاستقلابية.
كما يرتبط النشاط البدني بالمساعدة على التحكم بالوزن، وهو عامل مهم لدى الأشخاص الذين يعانون من البدانة أو زيادة الدهون في منطقة البطن.
خفض الوزن بنسبة 7% يقلل خطر تطور السكري
أشارت الناصر إلى أن إنقاص الوزن تدريجياً يمثل خطوة مهمة في تدبير مقاومة الإنسولين، ولا سيما لدى الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن أو البدانة.
وبيّنت أن خفض وزن الجسم بنحو 7% قد يحقق فائدة مهمة في تقليل خطر تطور الإصابة بداء السكري من النمط الثاني.
وأكدت أن النتائج الأفضل ترتبط بالجمع بين تحسين النظام الغذائي وممارسة النشاط البدني بانتظام، مع المحافظة على التغييرات الصحية بصورة مستمرة.
ولفتت إلى أن تعديل نمط الحياة قد يؤدي إلى تحسن مقاومة الإنسولين وتراجع حدتها، ما يجعل التدخل المبكر مهماً قبل تطور اضطرابات سكر الدم.
متى يكون العلاج الدوائي ضرورياً؟
أوضحت الناصر أن تغيير نمط الحياة يمثل الأساس في التعامل مع مقاومة الإنسولين، إلا أن بعض الحالات قد تحتاج إلى علاج دوائي وفق تقييم الطبيب.
ومن الخيارات التي قد تُستخدم دواء الميتفورمين، الذي يساعد على تحسين ضبط سكر الدم، بحسب الحالة الصحية والاستطبابات الطبية.
كما أشارت إلى إمكانية استخدام بعض الأدوية الحديثة المخصصة لعلاج السمنة، مثل سيماغلوتيد، لدى المرضى الذين تتوافر لديهم دواعي الاستخدام المعتمدة.
وأكدت أن اختيار العلاج يعتمد على التقييم الطبي، ولا ينبغي استخدام الأدوية لمجرد الاشتباه بمقاومة الإنسولين أو بناءً على نتيجة تحليل منفرد.
وتختلف الحاجة إلى العلاج من شخص إلى آخر تبعاً لعوامل الخطورة والاضطرابات الصحية المرافقة ونتائج الفحوص.
مضاعفات تتجاوز ارتفاع سكر الدم
حذّرت رئيسة برنامج داء السكري في صحة حمص من أن مقاومة الإنسولين لا ترتبط فقط باحتمال الإصابة بالسكري، بل قد تترافق مع مجموعة من المشكلات الصحية الأخرى.
وتشمل هذه الاضطرابات المتلازمة الاستقلابية، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الدهون والكوليسترول، وتشحم الكبد، وزيادة مخاطر الأمراض القلبية الوعائية.
كما ترتبط مقاومة الإنسولين بمتلازمة المبيض متعدد الكيسات لدى النساء، ما يستدعي الانتباه إلى الاضطرابات الاستقلابية المرافقة لهذه الحالات.
وأوضحت أن الكشف المبكر عن عوامل الخطورة ومتابعة الحالة الصحية يساعدان على اتخاذ التدابير المناسبة للحد من احتمال تطور هذه المشكلات.
الوقاية ضمن برامج متابعة السكري
بيّنت الناصر أن التعامل مع مقاومة الإنسولين يندرج ضمن جهود الوقاية من داء السكري من النمط الثاني، ومتابعة الأشخاص المصابين بمرحلة ما قبل السكري والمتلازمة الاستقلابية.
ويعتمد ذلك على تحديد الفئات الأكثر عرضة للإصابة، وإجراء الفحوص المناسبة وفق التقييم الطبي، إلى جانب تشجيع التدخلات المتعلقة بالغذاء والنشاط البدني وضبط الوزن.
وأكدت أهمية المتابعة الصحية لدى الأشخاص الذين يعانون من البدانة البطنية، أو لديهم تاريخ عائلي للإصابة بالسكري، وكذلك النساء المصابات بمتلازمة المبيض متعدد الكيسات.
وأشارت إلى أن التوعية الصحية تسهم في تعريف الأشخاص بعوامل الخطورة والعلامات التي تستدعي الاستشارة الطبية، وتساعد على تجنب الاعتماد على الفحوص أو العلاجات دون تقييم متخصص.
الكشف المبكر وتغيير نمط الحياة
أكدت الدكتورة صفاء الناصر أن مقاومة الإنسولين قد تستمر سنوات دون أعراض واضحة، وأن اكتشاف عوامل الخطورة في وقت مبكر يتيح اتخاذ إجراءات تساعد على تحسين استجابة الجسم للإنسولين وتقليل احتمال تطور داء السكري من النمط الثاني.
وتشمل الإجراءات الأساسية اتباع نظام غذائي متوازن، وممارسة النشاط البدني لمدة لا تقل عن 150 دقيقة أسبوعياً، والعمل على خفض الوزن تدريجياً لدى الأشخاص الذين يعانون من زيادته، مع إجراء الفحوص المناسبة عند وجود عوامل خطورة.
وشددت على ضرورة الاعتماد على التقييم الطبي في التشخيص وتحديد الحاجة إلى العلاج، وعدم الاكتفاء بنتائج التحاليل المنفردة أو استخدام الأدوية دون استطباب، بما يضمن التعامل مع الحالة وفق الاحتياجات الصحية لكل شخص.