الغلاء يعيد ترتيب موائد الأسر في حمص.. أسعار متباينة ورقابة تسجل 613 ضبطاً

العروبة – خاص

 

تواجه الأسر في حمص ضغوطاً معيشية متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف المواد الغذائية وتراجع القدرة الشرائية، ما دفع كثيراً منها إلى إعادة ترتيب مشترياتها اليومية، وتقليص استهلاك اللحوم وبعض الأصناف الغذائية، والتركيز على تأمين المواد الأساسية ضمن حدود الدخل المتاح.

 

ورصدت «العروبة» خلال جولة في عدد من أسواق المدينة تفاوتاً في أسعار المواد التموينية والخضروات، بالتزامن مع شكاوى مواطنين من صعوبة تأمين الاحتياجات الغذائية، ولا سيما لدى الأسر محدودة الدخل أو التي تعتمد على أجور غير ثابتة.

 

وتتزامن هذه الضغوط مع استمرار الجولات الرقابية لمديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حمص، التي أعلنت في تصريح سابق لـ«العروبة» تنظيم 613 ضبطاً عدلياً مع العينات وإغلاق 20 فعالية تجارية مخالفة خلال الأسبوعين الأول والثاني من تشرين الأول.

 

اللحوم الحمراء خارج المشتريات المنتظمة

 

يقول أبو طلال، وهو موظف يعيل أسرة، في تصريح لـ«العروبة»، إن شراء اللحوم الحمراء أصبح يشكل عبئاً كبيراً على ميزانية الأسرة، مع وصول سعر كيلوغرام لحم الغنم إلى نحو 240 ألف ليرة سورية قديمة.

 

ويوضح أن شراء اللحوم بات مرتبطاً بتوافر مبلغ إضافي بعد تأمين الاحتياجات الأساسية، بعدما كانت تدخل ضمن المشتريات الغذائية المعتادة، مشيراً إلى أن بعض الأصناف أصبحت تقتصر على المناسبات أو تؤجل إلى حين توافر المال.

 

ويضيف أن الأسرة لم تعد قادرة على شراء جميع احتياجاتها دفعة واحدة، بل تبدأ بتأمين المواد الضرورية، ثم تحدد إمكانية شراء اللحوم وفق ما يتبقى من الدخل.

 

ولا تقتصر المشكلة، بحسب أبو طلال، على ارتفاع سعر الكيلوغرام، وإنما تشمل الكمية التي تستطيع الأسرة شراءها وعدد الوجبات التي يمكن إعدادها منها، ما يفرض المفاضلة بين شراء اللحوم وتلبية احتياجات منزلية أخرى.

 

الفروج والبيض ضمن حسابات الإنفاق

 

لم يعد استبدال اللحوم الحمراء بالفروج كافياً لتخفيف الأعباء الغذائية لدى بعض الأسر، إذ باتت كلفة إعداد الوجبة وعدد أفراد الأسرة عاملين أساسيين في تحديد الكميات المشتراة.

 

وتوضح أم مهند، وهي ربة منزل، أن إعداد الطعام أصبح يتطلب تخطيطاً مسبقاً واختيار الأصناف وفق الميزانية المتاحة، مع زيادة الاعتماد على الخضروات والبقوليات لتجهيز وجبات أقل تكلفة.

 

وتشير إلى أن ارتفاع تكاليف الغذاء دفع الأسرة إلى تقليل كميات الفروج أو تخفيض عدد مرات شرائه خلال الشهر، بما يسمح بتوزيع الإنفاق على بقية الاحتياجات.

 

أما البيض، فرغم استخدامه في إعداد وجبات سريعة ومتنوعة، فإنه لم يعد خارج حسابات المصروف اليومي، إذ تضطر الأسرة إلى شراء كميات تتناسب مع المبلغ المتاح بدلاً من تأمين احتياجاتها دفعة واحدة.

 

وتؤكد أن التغيير لم يقتصر على استبدال صنف غذائي بآخر، بل امتد إلى تعديل مكونات الوجبات وتوزيع المواد المتوافرة على أيام أكثر، مع محاولة المحافظة على قدر من التنوع الغذائي.

 

أسعار المواد التموينية في أسواق حمص

 

أظهرت جولة «العروبة» تفاوتاً في أسعار عدد من المواد التموينية الأساسية، التي تشكل جزءاً ثابتاً من مشتريات الأسر.

 

وبحسب الأسعار المرصودة، بلغ سعر كيلوغرام الأرز نحو 139 ليرة سورية جديدة، مع اختلاف السعر تبعاً للنوع والجودة.

 

ووصل سعر طرد السكر بوزن عشرة كيلوغرامات إلى نحو 950 ليرة سورية جديدة، فيما بلغ سعر عبوة الزيت بوزن أربعة كيلوغرامات نحو 1150 ليرة جديدة، وعبوة السمنة بوزن كيلوغرامين نحو 700 ليرة جديدة.

 

ولا تمثل هذه الأرقام تسعيرة موحدة في جميع أسواق حمص، إذ تختلف الأسعار بين المحال والمناطق وفق نوع المادة ومصدرها وعوامل البيع.

 

وتبرز صعوبة تأمين السلة الغذائية عندما تتراكم تكاليف المواد الأساسية، ولا سيما الأرز والسكر والزيت والسمنة، مع بقية الاحتياجات اليومية، ما يقلص المبلغ المتاح لشراء اللحوم والفاكهة وغيرها من الأصناف.

 

الدخل المتغير يزيد صعوبة تأمين الاحتياجات

 

يقول أبو محمود، وهو عامل في شركة خاصة يعتمد على دخل متغير، إن تأمين احتياجات المنزل يصبح أكثر صعوبة عندما لا تتوافر للأسرة موارد مالية ثابتة.

 

ويوضح أن الأسرة تضطر إلى ترتيب مشترياتها وفق الأولوية، فتؤمّن المواد الأساسية أولاً، وتؤجل الأصناف الأخرى حتى يتوافر المبلغ اللازم لشرائها.

 

ويشير إلى أن تقليل الهدر والاستفادة من المواد الموجودة في المنزل يساعدان على ضبط الإنفاق، لكنهما لا يعوضان ارتفاع كلفة الاحتياجات الضرورية.

 

ويضيف أن الاستغناء عن الأرز والزيت والسكر وغيرها من المواد المستخدمة يومياً ليس خياراً متاحاً، ما يدفع الأسرة إلى تقليص الإنفاق على اللحوم والفاكهة وبعض الأصناف الأخرى.

 

وتعكس هذه الشهادة تأثير عدم انتظام الدخل في القدرة على التخطيط للمشتريات، خصوصاً عندما تتطلب الأسرة تأمين احتياجات متكررة بأسعار متغيرة.

 

الخضروات والفاكهة.. تفاوت بين الأسواق والأصناف

 

سجلت جولة «العروبة» تفاوتاً في أسعار الخضروات ضمن عدد من أسواق حمص، إذ تراوح سعر كيلوغرام البندورة والخيار في بعض المواقع بين 30 و40 ليرة سورية جديدة.

 

كما رُصد سعر بلغ نحو 60 ليرة جديدة لأحد الأصناف المزروعة في البيوت البلاستيكية، مقابل نحو 40 ليرة جديدة لصنف البذرة البلدية، فيما تراوح سعر كيلوغرام البطاطا بين 70 و80 ليرة جديدة.

 

وتختلف الأسعار بين الأحياء والأسواق، كما تتأثر بنوع المادة وصنفها، لذلك تعكس الأرقام الواردة الأسعار التي رُصدت خلال الجولة، ولا تمثل أسعاراً ثابتة أو موحدة في جميع المحال.

 

ويؤثر هذا التفاوت في قرارات الشراء، إذ تتجه بعض الأسر إلى اختيار الأصناف الأقل تكلفة أو المتوافرة موسمياً، بدلاً من شراء أنواع متعددة من الخضروات والفاكهة.

 

كما تلجأ أسر إلى تقليل الكميات أو الاكتفاء بصنف واحد، تبعاً لعدد أفرادها والمبلغ المخصص للإنفاق الغذائي.

 

تغير أولويات الشراء داخل الأسرة

 

تظهر شهادات المواطنين أن الضغوط المعيشية لم تعد تقتصر على البحث عن بدائل أقل سعراً، بل أصبحت تؤثر في طريقة توزيع الدخل وتحديد الأصناف والكميات التي يمكن شراؤها.

 

فمع ارتفاع كلفة اللحوم والمواد التموينية والخضروات، تضطر الأسر إلى الموازنة بين احتياجات يصعب الاستغناء عنها وأخرى يمكن تأجيلها أو تخفيض استهلاكها.

 

وتزداد صعوبة هذه المفاضلة عندما تتزامن الحاجة إلى الغذاء مع نفقات منزلية أخرى، في ظل محدودية الدخل وعدم استقرار بعض مصادره.

 

كما أن تقليص الكميات أو الاستغناء المتكرر عن أصناف غذائية يطرح تحديات تتعلق بقدرة الأسرة على المحافظة على تنوع وجباتها وتلبية احتياجات أفرادها بصورة منتظمة.

 

وتشير هذه المعطيات إلى أن أثر ارتفاع الأسعار لا يُقاس بقيمة المادة الغذائية وحدها، بل بنسبة ما تستهلكه من دخل الأسرة، ومدى قدرتها على الاستمرار في شرائها.

 

613 ضبطاً عدلياً وإغلاق 20 فعالية مخالفة

 

في جانب الرقابة على الأسواق، ذكرت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حمص، في تصريح سابق لـ«العروبة»، أنها كثفت جولاتها على الأسواق والفعاليات التجارية خلال الأسبوعين الأول والثاني من تشرين الأول.

 

وأوضحت المديرية أن دورياتها نظمت 613 ضبطاً عدلياً مع العينات، في إطار متابعة المخالفات التموينية والتحقق من الالتزام بالاشتراطات المعتمدة.

 

كما أسفرت الإجراءات الرقابية عن إغلاق 20 فعالية تجارية مخالفة، إلى جانب معالجة شكاوى المواطنين ومتابعة العينات المسحوبة للتحقق من سلامة المواد المتداولة ومطابقتها للمواصفات.

 

وتشمل أعمال الرقابة الجولات الميدانية وتنظيم الضبوط بحق المخالفين، فضلاً عن الفحوص المخبرية للعينات عند الحاجة، بهدف حماية حقوق المستهلكين ومتابعة سلامة المواد المطروحة في الأسواق.

 

وتعكس أعداد الضبوط والإغلاقات حجم الإجراءات المنفذة خلال الفترة المذكورة، فيما تبقى متابعة الأسعار والمخالفات ومدى الالتزام بالأنظمة من الملفات التي تتطلب رقابة مستمرة.

 

الرقابة والأسعار أمام تحدي القدرة الشرائية

 

تكشف جولة «العروبة» وشهادات المواطنين أن ارتفاع تكاليف الغذاء يدفع الأسر في حمص إلى تقليص مشترياتها وتغيير أولويات الإنفاق، مع تفاوت الأسعار بين الأسواق والأصناف، وتزايد الاعتماد على المواد الأقل تكلفة.

 

وفي المقابل، تواصل مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك تنفيذ إجراءات رقابية تشمل تنظيم الضبوط وإغلاق الفعاليات المخالفة ومتابعة الشكاوى والعينات، وفق البيانات التي أعلنتها عن النصف الأول من تشرين الأول.

 

ويبقى التحدي في الجمع بين ضبط المخالفات ومتابعة الأسواق وحماية حقوق المستهلكين، في وقت ترتبط فيه قدرة الأسر على تأمين غذائها بحجم دخلها والأسعار الفعلية للمواد الأساسية.

 

وتؤكد المعطيات الميدانية أهمية استمرار رصد الأسعار بصورة دورية، ومتابعة شكاوى المواطنين ونتائج الإجراءات الرقابية، بما يتيح تقييم واقع الأسواق والتغيرات التي تطرأ على كلفة السلة الغذائية وقدرة الأسر على تأمين احتياجاتها.

المزيد...
آخر الأخبار