مقال: أحمد نور الرسلان
أثارت الهتافات المنسوبة إلى بعض الحاضرين في مدرجات صالة الفيحاء بدمشق، خلال مباراة ناديي الكرامة والوحدة مساء الثلاثاء 20 تشرين الأول 2026، وما قيل إنها تضمنت إساءة إلى الشهيد عبد الباسط الساروت، موجة واسعة من الغضب بين السوريين، أعادت التأكيد على مكانة رموز الثورة السورية في الوجدان الشعبي، وحساسية المساس بتضحياتهم تحت أي ذريعة.
وبانتظار نتائج التحقيقات الرسمية التي أعلنت عنها الجهات الرياضية المختصة، فإن القضية تفتح نقاشاً يتجاوز حدود مباراة كرة سلة أو خلاف بين جمهورين، ويتعلق بضرورة احترام رموز الثورة السورية وما تمثله من تاريخ وتضحيات وقيم وطنية قامت عليها مرحلة التحرير.
“إن احترام رموز الثورة ينبع مما تمثله من معانٍ وتضحيات، وليس من شخصياتها وحدها”، وعبد الباسط الساروت واحد من أبرز تلك الرموز، فقد ارتبط اسمه بحمص وثورتها، وكان صوته حاضراً في ساحات المظاهرات، ثم حمل السلاح في مواجهة نظام الأسد، حتى ارتقى شهيداً على طريق الحرية.
وتستمد رمزية الساروت مكانتها من تجربته وما جسدته من إصرار وتضحية، ومن ارتباط اسمه بآلاف السوريين الذين واجهوا القمع والاعتقال والتهجير وفقدوا أحباءهم في سبيل الخلاص من الاستبداد.
لقد كانت الثورة السورية الأساس الذي أفضى إلى التحرير، ومنها تستمد المرحلة الجديدة مشروعيتها التاريخية والوطنية، وقد دفع السوريون في سبيل الوصول إلى هذه اللحظة أثماناً باهظة من أرواح أبنائهم وبيوتهم وأعمارهم، ولذلك فإن احترام تضحياتهم مسؤولية أخلاقية ووطنية تقع على عاتق الجميع.
ورغم حجم البطش الذي تعرض له ثوار سوريا على امتداد سنوات الثورة، وما رافقه من قتل واعتقال وتعذيب وتهجير، فقد أظهر كثير منهم بعد التحرير قدراً كبيراً من التسامح تجاه من خالفوهم في المواقف والخيارات، وفتحوا المجال أمام تجاوز الانقسامات وإعادة بناء المجتمع على أساس المشاركة والتعايش.
ويستحق هذا التسامح الاحترام والتقدير، فهو يعكس إدراكاً لحاجة البلاد إلى التعافي من سنوات الصراع، ورغبة في بناء مستقبل يتسع للسوريين جميعاً، ومن الخطأ أن يتحول هذا الانفتاح إلى فرصة لدى البعض لاستفزاز مشاعر أهالي الشهداء والناجين من المعتقلات والمهجرين، أو التشكيك بتضحيات الثورة والطعن برموزها.
كما أن التسامح الذي أبداه الثوار يعبر عن قوة أخلاقية ومسؤولية وطنية، ولا ينبغي تفسيره باعتباره قبولاً بالإساءة إلى تاريخ الثورة أو الاستخفاف بضحاياها، كما أن الحريات التي اكتسبها السوريون بتضحياتهم تقتضي ممارستها بمسؤولية، واحترام كرامة الآخرين وحقوقهم.
ومن هنا تبرز مسؤولية الحكومة والمؤسسات المعنية في وضع ضوابط واضحة وحازمة تمنع استغلال المناسبات العامة والمدرجات الرياضية لإطلاق الإهانات والتحريض وإثارة الاستفزازات التي قد تؤدي إلى استقطاب مجتمعي بين السوريين على أساس الموقف من الثورة.
وتتطلب هذه المسؤولية تطبيق الأنظمة والقوانين بصورة عادلة، والتحقيق في أي تجاوزات بصورة مهنية وشفافة، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته، مع الحفاظ على حرية التعبير والتمييز بين النقد أو الاختلاف المشروع وبين الإهانة المتعمدة والتحريض.
وفي حادثة صالة الفيحاء تحديداً، فإن اختلاف الروايات بشأن طبيعة الهتافات يجعل إعلان نتائج التحقيق أمراً ضرورياً، حتى تتحدد الوقائع والمسؤوليات بعيداً عن الاتهامات الجماعية أو استغلال الغضب لتوسيع الخلاف بين جماهير ناديي الكرامة والوحدة أو بين مدينتي حمص ودمشق.
الرياضة مساحة للتنافس الشريف، وللجماهير الحق في التشجيع والتعبير عن انتمائها لأنديتها، لكن هذا الحق يقترن باحترام الآخرين والابتعاد عن كل ما يمس كرامة الضحايا أو يستحضر جراح السوريين وسيلة للاستفزاز.
وليس من المقبول أن تتحول المدرجات إلى ساحة لتصفية الأحقاد السياسية أو توجيه الإهانات إلى شخصيات ارتبطت بتضحيات السوريين، كما لا يجوز تحميل جمهور كامل مسؤولية تصرفات أفراد، أو السماح لأي حادثة بتقويض الروابط التي تجمع أبناء الوطن الواحد.
لقد كان عبد الباسط الساروت حارس مرمى عرفته الملاعب قبل أن تعرفه ساحات الثورة، ثم أصبح واحداً من أبرز الأصوات التي رافقت الحراك الشعبي في حمص، وتحمل سيرته جانباً من الذاكرة السورية بما فيها من تضحيات وآلام وآمال، ولذلك فإن مكانته لدى السوريين تتجاوز انتماءه الرياضي أو مدينته.
المرحلة التي تعيشها سوريا تحتاج إلى خطاب يعزز التفاهم ويحفظ الذاكرة الوطنية، ويمنع إعادة إنتاج الانقسامات التي أنهكت المجتمع طوال السنوات الماضية، وتبدأ هذه المسؤولية من المؤسسات الرسمية، وتمتد إلى الأندية الرياضية والإعلام والمؤسسات التعليمية وجميع الفاعلين في الحياة العامة.
“إلا رموز ثورتنا”، بما تمثله من تضحيات وقيم وذاكرة شعبية تستحق الوفاء والاحترام، فالساروت ورفاقه من شهداء الثورة تركوا في وجدان السوريين أثراً لا تمحوه هتافات عابرة، وسيبقى احترام تضحياتهم جزءاً أساسياً من الوفاء للطريق الذي أوصل سوريا إلى التحرير.
رحم الله الشهيد عبد الباسط الساروت وجميع شهداء الثورة السورية، وحفظ سوريا حرة كريمة، تتسع لجميع أبنائها وتصون تضحيات من بذلوا أرواحهم من أجلها.