الإعلام بين نقل الحدث وتأجيج الانقسام.. كيف تصنع المصطلحات الفرق؟

العروبة – خاص

 

تؤثر المفردات التي تستخدمها وسائل الإعلام في الطريقة التي يفهم بها الجمهور الأحداث والقضايا العامة، ولا سيما عندما تتعلق بالتوترات المجتمعية أو الخلافات بين مجموعات مختلفة.

 

 

فقد يؤدي استخدام مصطلحات دقيقة ومحايدة إلى توضيح الوقائع وتحديد المسؤوليات، بينما يمكن للتعميم واللغة التحريضية أن يسهما في نشر الصور النمطية وتعميق الانقسامات بين أفراد المجتمع.

 

وفي سوريا، تبرز أهمية اللغة الإعلامية في ظل الحاجة إلى تعزيز التماسك المجتمعي، ومعالجة آثار سنوات الحرب وما رافقها من انتهاكات وخلافات وتحديات اجتماعية، وتزداد مسؤولية المؤسسات الإعلامية في اختيار المصطلحات التي تنقل الحقائق دون تضخيم أو تحريض، وتحافظ في الوقت نفسه على حق الجمهور في معرفة ما يجري.

 

الكلمة الإعلامية ليست مجرد وصف

 

لا تقتصر وظيفة المصطلحات الإعلامية على نقل المعلومات، بل تؤثر أيضاً في تحديد الإطار الذي يتلقى الجمهور من خلاله الخبر، فعندما تصف وسيلة إعلامية حادثة ارتكبها أشخاص محددون بأنها سلوك صادر عن جماعة اجتماعية أو دينية أو مناطقية بأكملها، فإنها تنقل المسؤولية من الأفراد إلى مجموعة واسعة لا يمكن تحميلها أفعال بعض المنتمين إليها.

 

ويختلف الأثر بين خبر يقول إن «أشخاصاً اعتدوا على أحد المواطنين»، وآخر ينسب الاعتداء إلى أبناء منطقة أو مكوّن اجتماعي كامل، من دون وجود أدلة تبرر هذا التعميم.

 

في الحالة الأولى، تبقى المسؤولية مرتبطة بالأشخاص المتورطين في الواقعة، بينما قد تؤدي الصياغة الثانية إلى تكوين انطباعات سلبية تجاه مجموعة كاملة، وتعزيز مشاعر الخوف أو العداء المتبادل.

 

ولهذا، فإن الدقة في تحديد الفاعل ووصف الحدث ليست مسألة لغوية فحسب، بل جزء أساسي من المسؤولية المهنية والأخلاقية للإعلام.

 

بين الخبر والتحريض.. أين يقع الفارق؟

 

يقوم العمل الصحفي على جمع المعلومات والتحقق منها وتقديمها للجمهور بصورة واضحة، مع التمييز بين الوقائع المؤكدة والادعاءات والمواقف الشخصية، أما الخطاب التحريضي فيعتمد غالباً على إثارة المشاعر السلبية، وتوظيف الأوصاف العدائية، وتقديم مجموعات بشرية باعتبارها مسؤولة بصورة جماعية عن أحداث أو انتهاكات ارتكبها أفراد.

 

وقد يظهر هذا الخطاب من خلال عناوين تتضمن أحكاماً مسبقة، أو استخدام كلمات تحمل إدانة جماعية، أو نشر اتهامات غير موثقة بصيغة الحقائق الثابتة.

 

ولا يعني تجنب التحريض الامتناع عن تناول القضايا الحساسة أو الانتهاكات، بل يتطلب عرضها بدقة، وتسمية المسؤولين عنها استناداً إلى الأدلة المتاحة، وإتاحة المجال لعرض المواقف ذات الصلة دون تبرير العنف أو التمييز.

 

فالصحافة المسؤولة لا تتجاهل الوقائع المؤلمة، لكنها تتعامل معها بطريقة تمنع تحويلها إلى أداة لإثارة العداء بين الناس.

 

التعميم يحوّل الحوادث الفردية إلى اتهامات جماعية

 

يعد التعميم من أبرز الممارسات اللغوية التي قد تسهم في تأجيج الانقسام، خصوصاً عند ربط الجرائم أو التجاوزات بهوية دينية أو مناطقية أو اجتماعية، وقد يؤدي استخدام عبارات مثل «أبناء المنطقة الفلانية فعلوا» أو «هذه الجماعة مسؤولة» إلى إضفاء طابع جماعي على حادثة قد يكون مرتكبوها أشخاصاً محددين.

 

وتكمن خطورة هذه الصياغات في أنها قد تؤثر في نظرة الجمهور إلى أشخاص لم تكن لهم أي صلة بالحادثة، وتزيد احتمالات تداول الاتهامات المتبادلة على أساس الانتماء بدلاً من الوقائع.

 

في المقابل، تساعد الصياغات التي تحدد الأشخاص والجهات المعنية، وتوضح ما ثبت وما لم يثبت، على تقديم صورة أدق للحدث، ويشمل ذلك التمييز بين المشتبه بهم والمتهمين والمدانين، وعدم تقديم الاتهامات بوصفها أحكاماً نهائية قبل صدور نتائج التحقيقات أو القرارات القضائية المختصة.

 

العناوين المثيرة قد تغيّر معنى الخبر

 

تؤدي العناوين دوراً أساسياً في تشكيل الانطباع الأول لدى الجمهور، ولا سيما على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يكتفي بعض المتابعين بقراءة العنوان دون الاطلاع على التفاصيل.

 

وقد يحتوي التقرير على معلومات متوازنة، لكن عنواناً مبالغاً فيه أو يتضمن اتهاماً عاماً يمكن أن يوجّه فهم القارئ نحو استنتاج مختلف عما تؤكده الوقائع، فعنوان يشير إلى «اشتباك بين مجموعتين» يختلف عن عنوان يصف الحادثة بأنها «حرب بين مكوّنين»، إذا لم تكن الوقائع تدعم هذا الوصف.

 

كذلك، فإن استخدام مصطلحات مثل «انتقام» أو «خيانة» أو «تهديد وجودي» خارج سياق موثق قد يرفع مستوى التوتر ويمنح الحدث أبعاداً لا تستند إلى معلومات مؤكدة، ولا تتعارض جاذبية العنوان مع الدقة المهنية، إذ يمكن صياغة عناوين واضحة وقوية دون اللجوء إلى المبالغة أو إثارة المخاوف والعداوات.

 

المصطلحات الدقيقة تحمي حق الجمهور في المعرفة

 

تتطلب التغطية الإعلامية المسؤولة التمييز بين أنواع المعلومات والمصادر التي تستند إليها، فالمعلومات الأولية الصادرة عن شهود أو منشورات متداولة لا تحمل درجة التحقق نفسها التي تحملها نتائج تحقيق موثق أو بيان رسمي، كما أن البيانات الرسمية نفسها ينبغي نسبتها إلى مصادرها وعدم التعامل معها بديلاً عن التحقق الصحفي كلما كان ذلك ممكناً.

 

ومن المهم استخدام عبارات مثل «بحسب المعلومات الأولية» أو «وفق رواية الجهة المعنية» أو «لم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة» عندما تستدعي طبيعة المعلومات ذلك، وتساعد هذه الصياغات على توضيح حدود المعرفة المتاحة، ومنع تحويل الروايات غير المؤكدة إلى حقائق يتداولها الجمهور.

 

كما أن تصحيح الأخطاء عند اكتشافها، وتحديث الأخبار مع ظهور معلومات جديدة، يمثلان جزءاً من المسؤولية المهنية في القضايا التي قد تؤثر في العلاقات المجتمعية.

 

وسائل التواصل تضاعف أثر الكلمات

 

أدت منصات التواصل الاجتماعي إلى تسريع انتشار الأخبار والتعليقات والمقاطع المصورة، وأصبح من الممكن أن تنتقل عبارة واحدة من منشور محدود الانتشار إلى نقاش عام واسع خلال وقت قصير.

 

وتزداد مخاطر هذا الانتشار عندما تكون العبارات مرتبطة بهويات اجتماعية أو دينية أو مناطقية، أو عندما تُنشر تسجيلات مجتزأة من سياقها وتُرفق بعناوين تحمل اتهامات أو أحكاماً مسبقة.

 

وقد يؤدي إعادة نشر المحتوى دون التحقق من مصدره وتاريخه وسياقه إلى توسيع نطاق المعلومات المضللة، وإعادة إنتاج خطاب الكراهية حتى من جانب أشخاص لا يقصدون المشاركة في التحريض.

 

وتتحمل المؤسسات الإعلامية مسؤولية إضافية في هذا المجال، لأنها قد تمنح المحتوى المتداول مصداقية أكبر بمجرد إعادة نشره عبر صفحاتها الرسمية.

 

لذلك، ينبغي التحقق من المواد المصورة والمعلومات المتداولة قبل استخدامها، وتجنب إعادة إنتاج العبارات التحريضية في العناوين أو المنشورات، إلا عندما تكون هناك ضرورة صحفية واضحة لعرضها ضمن سياق يبين طبيعتها ومصدرها.

 

كيف تتعامل الصحافة مع القضايا الحساسة؟

 

تبدأ المعالجة المهنية بتحديد الوقائع الأساسية: ماذا حدث؟ وأين؟ ومتى؟ ومن الأطراف المعنية؟ وما المعلومات التي أمكن التحقق منها؟، بعد ذلك، ينبغي الفصل بين وصف الحادثة والتعليق عليها، مع تجنب استخدام مفردات تتضمن أحكاماً مسبقة أو تنسب المسؤولية إلى جماعات كاملة.

 

وتبرز أهمية إسناد التصريحات إلى أصحابها، وعدم اقتطاع العبارات من سياقها، والتمييز بين المعلومات المؤكدة والاتهامات التي ما تزال قيد التحقيق، كما يتطلب تناول القضايا الحساسة مراعاة حقوق الضحايا وكرامتهم، وعدم نشر تفاصيل شخصية أو صور قد تعرضهم أو عائلاتهم للأذى دون مبرر مهني واضح.

 

ولا يعني الالتزام بهذه المعايير تقديم جميع الروايات باعتبارها متساوية في المصداقية، بل تقييمها وفق الأدلة المتاحة، مع الحفاظ على استقلالية التغطية ودقتها.

 

الإعلام ودوره في تعزيز التماسك المجتمعي

 

يمكن لوسائل الإعلام أن تسهم في تعزيز التماسك المجتمعي من خلال تقديم معلومات موثوقة، وإبراز المسؤوليات الفردية والمؤسساتية، وتجنب الصور النمطية التي تربط السلوكيات السلبية بانتماءات جماعية.

 

ويشمل هذا الدور إتاحة مساحة للأصوات المجتمعية المختلفة، وتسليط الضوء على المبادرات التي تعالج الخلافات بالحوار والوسائل السلمية، وتقديم تغطيات تساعد الجمهور على فهم أسباب المشكلات وسبل معالجتها.

 

وفي السياق السوري، تكتسب هذه المسؤولية أهمية خاصة مع استمرار الحاجة إلى معالجة آثار سنوات الحرب، وتعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات، والحد من الخطابات التي تستثمر في الخوف والانقسام.

 

ويستطيع الإعلام أداء هذا الدور دون التخلي عن النقد أو مساءلة المسؤولين أو كشف الانتهاكات، لأن الدقة في تحديد المسؤوليات تساعد على تحقيق المساءلة وتمنع تحميل الأبرياء تبعات أفعال لم يرتكبوها.

 

مسؤولية تبدأ من غرفة التحرير

 

تتطلب مواجهة الخطاب الإعلامي الذي يؤجج الانقسام إجراءات تحريرية واضحة، تشمل مراجعة المصطلحات المستخدمة في الأخبار والعناوين، والتحقق من المعلومات، وتدقيق المحتوى المتعلق بالقضايا المجتمعية الحساسة قبل النشر.

 

كما تبرز الحاجة إلى تدريب الصحفيين والمحررين على التعامل مع خطاب الكراهية، والتمييز بين النقد المشروع والتحريض، وتطوير آليات لتصحيح الأخطاء والتعامل مع المحتوى المضلل.

 

وتؤكد هذه المعايير أن اختيار المفردات ليس تفصيلاً ثانوياً في العمل الصحفي، بل جزء من عملية التحقق والتحرير وتحديد المسؤوليات.

 

وفي إطار حملة «الكلمة تبني»، يمثل الالتزام باللغة الدقيقة وتجنب التعميم والتحريض جانباً عملياً من دور الإعلام في حماية النقاش العام وتعزيز التماسك المجتمعي، مع الحفاظ على حق المواطنين في الحصول على معلومات واضحة وموثوقة عن القضايا التي تمس حياتهم.

المزيد...
آخر الأخبار