يعتبر الشعر أهم الفنون الأدبية وأكثرها إمتاعا وقد فاخرت القبائل العربية بشعرائها وكانت تلك القبائل إذا نبغ فيها شاعر أقامت الأفراح وسهرت الليالي الملاح لأن الشعراء كانوا لسان قبائلهم ومن يزود عنها ويتحدث عن فضائلها وفي العودة إلى تاريخ الشعر العربي نجد الكثير من المناظرات الشعرية والقصائد التي يمجد فيها كل شاعر قبيلته وما هي عليه من العادات والتقاليد العربية الأصيلة كإقراء الضيف وإغاثة الملهوف وحفظ حق الجار وإعطاء السائل ما يريد وكان الشعر مادة التعبير الأساسية التي اعتمدها الكثيرون لأنه البلاغة في حد ذاتها وكان الشعر مرتعا للحكم على مر العصور .
ويقول ابن عباس : الشعر علم العرب وديوانها فتعلموه .
وقد سئل ابن المقفع ذات يوم : لم لا تقول الشعر؟ فقال : الذي أرضاه لا يجيئني ، والذي يجيئني لا أرضاه . وكلام ابن المقفع دلالة على أهمية الشعر وما يمكن أن يكون عليه وهو الحامل لكل القضايا الاجتماعية وصورة عن الحياة العربية في ذلك الوقت . والشعر يحمل رسالة والشاعر هو من يصوغ تلك الرسالة وعلى الشكل الذي يجب أن تكون عليه وفي هذا يقول الخوارزمي : الشعراء أمراء الكلام ، يقصرون طويله ، ويطولون قصيره . وفي نفس المعنى يقول عبد الله الناشيء : الشعر سور البلاغة ، ومعدن البراعة ، ومجال الجنان ، ومسرح البيان . وكم كان يطرب الملوك والأمراء وسادة العرب لقول الشعر وقلما كان يخلو مجلس لهم من وجود شاعر أو إنشاد لآخر .
وقال المأمون : الشعراء زينة المجالس، وقد أدلت مي زيادة بدلوها متحدثة عن الشعرحيث قالت: الشعر عاطفة ذائبة ، أو فكرة متوقدة ، أو خاطرة عميقة ، سكبت في قالب موزون الكلام والنغمة.وقد تطرق الشعراء في شعرهم إلى كافة مناحي الحياة التي عاشوها وتحدثوا عبر الشعر عن أدق التفاصيل التي شكلت مفردات حياتهم وهاهو حاتم الطائي يخاطب زوجته ماوية في رؤيته للحياة من خلال العادات التي ورثها وفي مقدمتها الكرم يقول :
أماوي إن المال غاد ورائح
ويبقى من المال الأحاديث والذكر
أماوي إني لا أقول لسائل
إذا جاء يوما حل في مالنا نزر
وقالت مريم بنت أبي يعقوب الأنصاري عندما تقادم بها السن :
وما يرتجى من بنت سبعين حجة
وسبع كنسج العنكبوت المهلهل
تدب دبيب الطفل تسعى إلى العصا
ويمشي بها مشي الأسير المكلل
ويقول بشار بن برد متحدثاً عن أثر الهموم في إبعاد النوم عمن ركبه الهم:
فكأن الهم شخص مسائل
كلما أبصره النوم نفر
هو تصوير في غاية الدقة والواقعية نقلها إلينا الشاعر شعرا فكانت غاية في الجمال ويصور لنا الأحوص مباغتة حبيبته له وأثر تلك اللحظة فيه يقول :
فما هو إلا أن أراها فجاءة
فأبهت حتى ما أكاد أجيب
ويقول الإمام علي كرم الله وجهه :
عليكم بالعربية والشعر فإنهما يحلان عقدتين من اللسان العجمة والدكنة وقال : تعلموا الشعر فإنه يعرب ألسنتكم .
ويحكى أن الحجاج ظفر برجلين فقال لهما من أنتما ، فقال الأول :
أنا ابن الذي لا تنزل الدهر قدره
وإن نزلت يوما فسوف تعود
ترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره
فمنهم قياما حولها وقعود
وقال الثاني :
أنا ابن من دانت الرقاب له
ما بين مخزومها وهاشمها
تأتيه بالرغم وهي حاضرة
يأخذ من مالها ومن دمها
فقال الحجاج لمن معه اخلوا سبيلهما لأدبهما لا لحسبهما إذ كان الأول ابن صاحب مطعم والثاني ابن حجام .
يطول الحديث ويعذب عندما تكون مادته الشعر ودوره في بناء الذائقة الأدبية وطلاوة ما يذهب إليه وما مرمعنا في معرض حديثنا كان دليلا على ذلك .
شلاش الضاهر