تحية الصباح... هواجس الكتابة

العدد: 
14803
التاريخ: 
الخميس, شباط 16, 2017

ما إن يأتيه عنوان المقالة الذي يلح في استحضاره حتى يهرع إلى طاولته الخشبية التي لازمته سنوات طوال ليفرغ على الورق الممدد عليها ما يجول بخاطره من هواجس و أفكار أيقظته مرات عديدة من نومه و جعلته يذرع الغرفة جيئة و ذهاباً كالمجنون لعله يصل إلى صياغة ترضيه أولاً و ترضي رئيس تحرير المجلة التي ينشر فيها مقالاته دون ان يسمح لنفسه بالانقطاع عنها و لو لمرة واحدة محاولاً أن يلتزم بالخط الذي تسير عليه لئلا يترك المجال لقلم الرقيب أن يشطب عبارة ما أو جملة قد تحتمل أكثر من تفسير هذه الليلة رغم تعبه اليومي يشعر أن بإمكانه أن يفتح أبواب رؤياه على مصاريعها و أن يكتب عن هموم كثيرة أولها معاناة الإنسان نتيجة الظروف الصعبة التي تحيط به و تجعله يدور في حلقة مفرغة فلا الوضع المعيشي مريح بالنسبة له و لا الوضع النفسي و لا الوضع السياسي الذي ما إن تنقشع غيوم سمائه حتى تعود إلى التلبد من جديد لهذا كان يقول لنفسه : ما إن أرقع ثقباً في ثوب حياتي حتى أصطدم بثقوب أكثر اتساعاً
الأمس مرّ بجاره الذي اكتوى بنار الأزمة المادية في البداية لكنه استطاع بدهائه و مكره أن يخرج منها و أن ينطلق من جديد و يصبح في حالة مادية أفضل بكثير مما كان عليه في السابق . لم يستغرب الأمر لأنه يعرف حيثيات الأمور و كيف وصل جاره و أمثاله إلى حالة الغنى و الثراء السريع أراد أن يكتب عن هذه الحالة لكن قلمه حرن و لم يطاوعه فتراجع عن هذه الفكرة إلى الوراء و فكر بحالة أخرى تكون أكثر طواعية له في الكتابة .. حضرت إلى ذهنه فكرة هامة تؤرق الكثيرين ممن يشغلهم الجانب الإنساني و هي كيف نستطيع أن نخرج أطفالنا الذين عاشوا مرارة التهجير و الحرمان من منازلهم و فقدان الكثيرين منهم لآبائهم و أمهاتهم و إخوتهم من مربع الحزن والشقاء إلى مربع الحياة الطبيعية التي هي حق مشروع لكل مواطن يعيش في هذا البلد الذي تآمر الظلام على أمنه و أمانة .. كان يرى الأطفال على شاشة التلفاز في مراكز الإيواء و هم يرسمون علم الوطن أولا و البيت الذي افتقدوه ثانياً ،شيئان هامان في حياة الإنسان هما الوطن الذي يعيش الجميع في كنفه و البيت الذي يأوي أسرة .. كانت عيناه تدمعان و هو يراقب ما يرسمه الأطفال ببراءتهم المعهودة لهذا فكر أن يكتب عن وسائل لإخراجهم من أزماتهم النفسية التي قد تتفاقم في المستقبل و تتحول إلى مشكلات لا تحمد عقباها أما الأمر الآخر و هو الأهم أن نعلم أبناءنا أن المجتمع بطيف واحد لا يكون معافى .. فالتنوع أمر مهم و ضروري كدورة الحياة التي تحتاج إلى أمطار و ثلوج و رعود و بروق و شمس و برودة و حرارة ..الخ ليكون في النهاية الخير و النماء و سورية عبر تاريخها هي فسيفساء متجانس و هذا ما جعلها تبني حضارة عمرها آلاف السنين ما زالت صامدة و شامخة في وجه الأعاصير و المحن
هوس الكتابة الذي يلح عليه باستحضار أفكاره جعله يلقي بكل الأعباء خلفه و يمسك بقلمه ليكتب على الورق كل الأفكار التي استنفزها ذهنه
قال لنفسه : غدا ستكون المقالة على طاولة رئيس التحرير .. سأراقب تعابير وجهه و هو يقرأ كلماته كلمة  كلمة ..سأكون مسرورا حين يمهرها بتوقيعه و سأكون أكثر فرحا حين أراها منشورة في الزاوية المخصصة لمثل هذه المقالات

الفئة: 
المصدر: 
العروبة

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة