الفن ... غذاء الروح والجسد

العدد: 
15067
التاريخ: 
الثلاثاء, نيسان 3, 2018

 مما لاشك فيه أن الموسيقا هي أكثر الفنون التصاقا ً بالإنسان والوحيدة القادرة على إثارة الأحاسيس والخيال والعواطف الداخلية كما الهدوء الداخلي أكثر من أي فن آخر, وذلك من دون منازع ولكن ما هو الفن ؟ وما هو تأثيره على الأهواء والجسد ؟ هل هو في صميم الجمال ؟ وهل الجمال هو الذي يدفع إلى الخلق الفني ؟ لأن الجمال يخلق المتعة ؟ وحسب أفلاطون هنالك فن الجمال والفن الأسمى هو الذي يخلق المتعة .
إن الفنون الجميلة هي فنون النبوغ أو العبقرية ,والعبقرية موهبة وقريحة طبيعية وطاقة خلق غريزية أو فطرية, ويعتبر «هيغل» أن الفن هو باطن يسعى إلى التعبير أو إلى التجسد أو إلى الإظهار إنه مضمون يسعى إلى شكل ، وتكلم «كانت» عن جوهر الجمال الذي هو نظرة التوفيق ما بين العقل والطبيعة معتبرا ً أن الجمال هو المثل الأعلى ,والعمل الفني هو التعبير عن انفعال فردي أو شعور أو انطباع أو ترجمة, كل ما هو خيالي وهمي ,لأن الخيال هو من أهم صفات الفنان ، خاصة الموسيقي ..
الفن هو نشاط عقلي يتجلى في الإبداعات الفنية والعمل الفني ليس سوى التعبير عن الحالات النفسية للإنسان ، مشاعره ، ذوقه ، حساسيته وإدراكه ، فالفنان يخلق العمل الفني لأن العمل الفني كناية عن مادة تجسدت بعمل فني ما ، ولكن لا شيء يغمر القلب والذات بعمق أكثر من الإيقاع والنغم, فالموسيقا هي مرآة الفكر وهي التي تهذب الأهواء.
 إن البحث عن الجمال هو البحث عن النقاء ويحدده التناغم, ويقول أفلاطون « إن الجمال يكمن في التنسيق والسمو» والجمال راق ٍ يفوق الحقيقة وهو يقوم على التماثل والتطابق والمقياس ,والتناغم الموسيقي شمولي « شكل الأشكال ، فكرة الأفكار»  فالموسيقا تختلط مع الكون نفسه بوصفه نظاما ً متناغما ً, والكون كناية عن موسيقا مجّسدة تماما ً , حيث يوجد في الموسيقا الحميم الذي يفوق التعبير ولكن في الفن عزاء ومواساة ,فالفن صرخة حاضرة أبدا ً في العمل الفني الجميل, إذ ليس من عمل فني دون صراخ أو معاناة ,ولذلك كان الفن الوجه الآخر للبكاء وكان مواساة ,وكلما عاش الفنان قوي الشعور أو الإحساس بالجمال ,كان الفن حقيقيا ً في مساره نحو الخلق الفني حيث يعيش الفنان حالة من النشوة الحزينة أو الكئيبة والمدغدغة في آن واحد .
إن النشوة الأدبية المعنوية هي ما يحققه المبدع عن طريق التسامي فالتسامي بحث مثالي يحل مكان الفعل الجسدي ويفضي إلى عملية الخلق أو الإبداع الفني فحيث التسامي تكون السعادة حتى عند البائسين اليائسين والقانطين ولا شيء يجعلنا أكثر كبرا ً وتساميا ً من الوجع العظيم الذي يحول الإنسان إلى جرح نازف ٍ باستمرار ,وهذا النزف الإبداعي هو الذي يشكل لديه انتصارا ً على الزمن ويخلق لديه نوعا ً من السعادة لحظة الخلق أو الإبداع, فالموسيقي المبدع كما قال نيتشه : «هو من يعرف آلام السعادة الحقة فقط وليس غيرها من آلام ولم يوجد موسيقي كهذا حتى الآن» .
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
يوسف بدّور