رؤيا .. « تشكيليون من سورية ... تقنيات التعبير في إيحاءات قدسية الشهيد ...»

العدد: 
15151
التاريخ: 
الثلاثاء, آب 7, 2018

لم يعرف تاريخ الفن التشكيلي فوضى مثلما هو حال الفن اليوم ؟! ، أي منذ القرن العشرين الفائت حتى اليوم، كما لم يعرف التاريخ مرحلة ثرية بالاختراعات والتقنيات كما اليوم ، الصورة الفوتوغرافية حاولت أن تأخذ دور اللوحة الفنية ، والكمبيوتر وتقنياته يعمل جاهدا ً ليلغي الرسم والرسام !! ، ويأخذ مكانهما ، فوقع تعليم الفن في المدارس الفنية في حيرة بل فوضى كبيرة ....
هناك من يعمل بالتقنيات الفنية المعروفة، وهناك من سار وراء الاختراعات التصويرية الحديثة ، وهناك فريق ثالث مزج بين الطريقتين ،مسايرا ً القديم والحديث معا ً، معتبرا ً أن حرية استعمال المواد المخترعة موسميا ً هي التي تقود إلى الحرية في التعبير الفني، بينما يقول آخرون ان المواد المعروفة والتي برهنت على صلاحيتها وديمومتها هي المعبرة عن الشكل واللون وهي التي تمثل ما يطمح إليه المتلقي للفن الجميل والراقي.
 المواد التي استعملت منذ سنين مضت ، بقيت لأنها برهنت على صلاحيتها ونبلها وفعاليتها، أما المواد التي تخترع كل يوم تبقى مواد ينقصها النبل، نعم هناك مواد نبيلة ومواد غير نبيلة، تطغى عليها التجارة والترغيب في استعمالها، إذ هي تسهّل للفنان التلوين السريع والانتهاء السريع من «فبركة اللوحة » ، أعطي مثالا ً مادة « الاكليريك» فهي  سهلة الاستعمال وتنشف بسرعة، « الاكليريك» له سيئاته وله أيضا ً ايجابياته، وأنا لست ضد هذه المادة لكني أتكلم عن الفارق بين الألوان الزيتية العميقة والنبيلة ومابين هذه الألوان الجديدة وهي ليست جديدة جدا ً، وكأنها ولدت مع ولادة الحياة السريعة والعمل السريع وكل ماهو سريع في عصرنا !!،  ومع مرور الوقت شعرت بالفارق الشاسع بين مادة الزيت ومادة الاكليريك ، إذ إن الألوان الزيتية تعطي مساحات واسعة لـ « عالم حسّي جمالي» بمعنى أن الألوان الزيتية تفسر الأشياء من خلال بنيتها الجوهرية المتطورة التي تغوص في الحسّ الوجداني، حسب شخصية الفنان ؟.
 الجدير بالذكر أن الفنان والناقد «أديب مخزوم» تطرق في محاضرات عديدة إلى مصطلح « الفن التصويري» الذي يعتبر من أكثر المصطلحات الفنية التشكيلية العربية التباسا ً لكونه يوّجه مخيلة القرّاء مباشرة إلى فن التصوير الضوئي أو الفوتوغرافي. ومن أجل إزالة هذا الالتباس طرح عدة مرات استبدال عبارة « قسم التصوير الزيتي» في كلية الفنون الجميلة بدمشق بعبارة «الرسم والتشكيل الزيتي» مع الإشارة إلى أن  إطلاق عبارة الرسم والتصوير على ذلك القسم قد زادت  من حدة التداخل والالتباس والغموض والتساؤل ؟! .
 يمكن القول إن المعارض هي فرصة جيدة للتعبير عن عطاء الفنان له وللآخرين المتلقين والفن التشكيلي عالم واسع لا حدود له ويجب على الفنان ألا تقتصر ريشته وأعماله على العطاء الفني للوحاته سواء كانت كلاسيكية أو إيحائية أو تعبيرية وإنما عليه أيضا ً أن يعبّر عن الهمّ الوطني وآلامه وشجونه، وأفراحه وانتصاراته بكل مايملك من إمكانيات وأن يعطيها مساحة واسعة في لوحاته ويسلّط عليها الضوء من خلال المشاركة في المعارض من أجل  النهوض بالعمل الفني الجاد والارتقاء به ، إذ يمكن القول  إن فناني سورية عموما ً ومنذ حوالي مائة عام وأكثر أبدعوا وحتى وقتنا هذا يبدعون برسالة فنية إنسانية مستمرة، وأصبح  فنانو سورية أصحاب مدارس خاصة تشكيلية  تدرسها المدارس في مختلف دول العالم   أمثال الفنان (فاتح المدرّس) والذي جسد معاني الشهيد بأسلوبه التعبيري الحديث ولهذا لا يمكن فصل لوحاته المعبرة عن معان وطنية، والتي حرر من خلالها الأشكال وأدخلها في صياغة الألوان العفوية والرؤية الارتجالية والتي تفسر في النهاية معالم هذا الهاجس الوطني، وقد ركز في لوحاته الفنية  على المواضيع الوطنية ليكشف أمامنا هاجس ارتباطه بالأرض ، وهو القوة التي تعني الطريق إلى النصر وبناء المستقبل المجيد .
 أما الفنان (فتحي محمد) من أشهر أعماله المعبرة عن معاني الشهادة تمثال عدنان المالكي (في دمشق ) التي تتوسط ساحة المالكي ، لتظهر ملامح السمو والمعاني الوطنية أيضا ً في أعمال وتماثيل النحّات (عدنان الرفاعي) المعبرة عن صلابة الإنسان العربي ، وقدرته على دحر العدوان، وانتزاع الحقوق وتحقيق الأمان ، من خلال تحقيق درجات الشبه الحقيقية في قسمات وجه الشهيد حسن الخراط ليبقى العمل بحيويته الواقعية شاهدا ًعلى متانة اللمسة وقوة التعبير وملامح الشبه والحيوية.
وفي ( ثلاثية الشهيد ) قدم الفنان (نذير نبعة) صورة والتي تعود  إلى عام 1976 والمعروضة بشكل دائم في قاعة المتحف الوطني في دمشق قياس 145 × 75 على قماش ، وقد أنجزها ضمن أسلوبه الخاص الأقرب إلى الواقعية الرمزية، وهي تجسد امرأتين تعزفان لحن الشهيد على الناي، وفي الوسط يظهر الشهيد، لقد جسد هذه العناصر بدقة واقعية تفصيلية عبر تداعيات المرأة وفي ( ثلاثية الشهيد ) يخاطب ( نذير نبعة ) المرأة  الرمز والأجواء الشرقية ، حيث تلمس خلاصة مهارته التصويرية ودقته التفصيلية المعبرة عن التصميم المتماسك ، فالتقنية التي أبرزها تكمن في خاصية كونه فنانا ً واقعيا ً يعرف كيف يتعامل مع معطيات الواقع ورؤى الخيال ، واللمسة اللونية المسايرة للطروحات التشكيلية الحديثة .
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
وسيم سليمان