مذكرات معلم وكيل

العدد: 
15226
التاريخ: 
الأحد, كانون الأول 2, 2018

لاشك أن التعليم في سورية يختلف عن التعليم في كثير من الدول بميزاته المعروفة التي يتصف بها . والمعلم والمدرس يؤدي كل منهما رسالة إنسانية مقدسة تحمل في مضمونها أفكاراً ومعلومات تنير عقول أبنائنا وتزودهم بالمعارف ، لذلك ركزت الدولة –من ضمن اهتماماتها- بقطاع التعليم – على افتتاح المعاهد المتوسطة والكليات الجامعية  التي تعد وتؤهل وتخرج الكوادر الكفوءة . ولكن قبل ذلك كان قطاع التعليم يعتمد على خريج دور المعلمين والمعلمات ، وعلى المعلمين الوكلاء من حملة الشهادة الثانوية للعمل في مرحلة التعليم الابتدائي التي أصبحت اليوم مرحلة ( التعليم الأساسي ) وقد عملت كمعلم وكيل في فترة السبعينيات من القرن الماضي بسنوات مختلفة ومتباعدة ، لأنها كانت قبل أداء خدمة العلم وبعدها ، وتنقلت كمعلم وكيل بين عدة مدارس في الريف والمدينة ، لان المعلم الوكيل آنذاك واقف  على كف عفريت ، ففي أي وقت يأتي المعلم الأصيل ، على الفور  ينزاح الوكيل وهكذا .. وكنت والعديد من أمثالي – أتواجد بشكل شبه يومي في مديرية  تربية حمص لمعرفة شواغر المعلمين في المدارس ، ومن ثم الحصول على التكليف بالعمل كمعلم وكيل . وكانت البداية بالنسبة لي قبل نهاية العام الدراسي بـ 25 يوماً فقط ،حيث طلب مني رئيس دائرة المعلمين  الوكلاء في مديرية التربية ، الذهاب الى مدرسة الفرقلس الى الشرق من حمص ، للعمل فيهابدلاً من معلم أصيل تمت  دعوته للخدمة  الإلزامية ، وترددت بالموافقة على ذلك مع أنني كنت أبحث عن فرصة عمل بالفتيلة – لأن المواصلات غير مؤمنة يومياً ، وعليّ أن استأجر بيتاً للسكن هناك ولهذه الفترة القصيرة من العام الدراسي وكان جواب الموظف لي : لك حرية الاختيار لكن في بداية التشكيلات بالعام الدراسي القادم، ستكون الأولوية لمن عنده خدمة كمعلم وكيل ولو ليوم واحد . وهذا الكلام جعلني أصمم على الذهاب الى الفرقلس ، وأمضيت هذه الفترة القصيرة في التعليم وبالفعل في التشكيلات  الأولى للمعلمين الأصلاء والوكلاء في العام الدراسي الجديد ، كان اسمي وارداً فيها، وكان تعييني في مدرسة العقربية ، وبعد ذلك أي في العام الدراسي التالي تنقلت بين خمس مدارس في الريف والمدينة ، وكانت أصعب
فترة في تلك السنة ، بعد أن أخذت تكليفي كمعلم وكيل في مدرسة الهاشمية بجورة الشياح في مدينة حمص ، لان الدوام فيها خلال الأسبوع /3/ أيام دوام صباحي فقط ، و/3/ أيام أخرى  دوام صباحي وبعد  الظهر، حيث كنت في هذه  الأيام – وخلال الفترة الفاصلة  بين الدوامين – أمضي وقتي متنقلاً بين حدائق حمص وشوارعها ، بعد أن أتناول سندويشة وبعد انتهاء  الدوام أعود الى بيتي في قطينة .. هذا الوضع دفعني لمراجعات عديدة لمدير التربية بالذات لتوضيح المعاناة التي أعيشها ، وكان نتيجة ذلك ، اقتناع مدير التربية بوضعي الصعب ،  ورغب بمساعدتي، فطلب من دائرة المعلمين الوكلاء بنقل تكليفي الى مدرسة جوبر التي تقع في منتصف المسافة بين قطينة وحمص.. وهكذا  أكملت العام الدراسي في تلك المدرسة ، ثم ذهبت الى الخدمة  الالزامية ، وبعد انتهاء مدة خدمتي ، عدت الى البحث عن مدرسة ما لأعمل فيها كمعلم وكيل ، فلم أجد شاغراً إلا في مدرسة زور بقرايا المعروفة لدى الناس ( الحليبية) والتي تقع على الضفة الغربية لبحيرة قطينة ، وهنا أيضاً واجهتني صعوبة الوصول الى المدرسة نظراً لعدم وجود طريق مباشر معبد يصل الى القرية ، ولا مواصلات ، ومن يود التنقل بين القرية والمدينة ، عليه أن يستقل السيارات العابرة على طريق  حمص – طرطوس – وصولاً الى مفرق خربة التين ومن ثم المتابعة  سيراً على الأقدام الى القرية وبالنسبة لي لم يكن  لدي سيارة أوحتى دراجة هوائية لذلك كنت أسير على قدماي  بمحاذاة  ضفاف البحيرة ، وقافزاً من حجرة  لحجرة  ومن صخرة لصخرة ، لان الأرض هناك  وعرة  وهي امتداد لمنطقة الوعر ، من أجل الوصول الى المدرسة ومن ثم العودة الى البيت فتصور عزيزي القارىء هذه المعاناة المريرة في التنقل بين الأحجار والصخور . ورغم ذلك أمضيت العام الدراسي كله .. وبعد ذلك تقدمت لمسابقة أعلنت عنها مؤسسة اعلامية  تتبع لها جريدة العروبة  ، فكنت من بين الناجحين ، وعلى الفور تقدمت بالاوراق  المطلوبة والتحقت بالعمل في الجريدة وكان ذلك عام 1978 واستمريت فيها حتى سن التقاعد .
هذه الذكريات أردت سردها ببعض التفاصيل لتوضيح المعاناة  والمتاعب التي كان يواجهها المعلم الوكيل وحتى الأصيل في عمله مقارنة مع وضع من يعمل في هذا المجال في الوقت الحالي !!.

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
رفعت مثلا