من لبنان إلى القضاء السوري.. تسليم اللواء عادل عيسى يعزز ملاحقة رموز نظام الأسد البائد

العروبة – خاص
شكّل تسلّم السلطات السورية اللواء السابق في جيش نظام الأسد البائد عادل عيسى من السلطات اللبنانية محطة بارزة في مسار ملاحقة المتهمين بارتكاب انتهاكات خلال سنوات حكم النظام، إذ تتجاوز دلالات الخطوة ملف عيسى لتفتح الباب أمام تفعيل التعاون القضائي مع الدول لاسترداد المطلوبين الموجودين خارج سوريا، وإحالتهم إلى القضاء السوري وفق الإجراءات القانونية.
وأوضح المحامي والباحث القانوني السوري المعتصم بالله الكيلاني، المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، في تصريح خاص لـ«العروبة»، أن تسليم المطلوبين من رموز نظام الأسد البائد يمثل خطوة ضرورية في مسار العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا وذويهم، وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وأن الجرائم الخطيرة لا تسقط بالتقادم.
وأكد الكيلاني أن تسلّم عيسى، الذي سبق أن تولى قيادة الفرقة 17 والقوات البرية في دير الزور حتى عام 2016، يحمل دلالات قانونية وسياسية مهمة، باعتباره أول ضابط عسكري سابق يُسلّم من لبنان إلى سوريا منذ سقوط نظام الأسد البائد، معتبراً أن الخطوة يمكن أن تؤسس لتعاون قضائي أكثر فاعلية في ملاحقة بقية المطلوبين واستردادهم.
وأشار لـ “العروبة” إلى أن أهمية القضية تكمن في انتقال ملاحقة رموز النظام من نطاق إصدار مذكرات التوقيف داخل سوريا إلى تفعيل أدوات التعاون القضائي مع الدول التي يوجد فيها المطلوبون، بما يؤكد أن مغادرة الأراضي السورية لا تعني انتهاء الملاحقة أو تحول الخارج إلى ملاذ بعيد عن المساءلة.
وأعلن القضاء اللبناني، الثلاثاء 18 آب 2026، تسليم عيسى إلى السلطات السورية، وفق ما أفادت به الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية، بقرار من النائب العام التمييزي في لبنان القاضي أحمد رامي الحاج، واستناداً إلى الاتفاقية القضائية اللبنانية السورية الموقعة عام 1951، بعد اعتبار شروط التسليم مستوفاة من الناحيتين القانونية والقضائية.
وسبق التسليم توقيف عيسى من قبل القضاء اللبناني بعد وصوله إلى السفارة السورية في بيروت لإنجاز معاملة رسمية، حيث تبين أنه مطلوب للقضاء السوري، فيما أشارت المعطيات الواردة في التحقيقات اللبنانية إلى دخوله الأراضي اللبنانية بصورة غير شرعية عبر طرق التهريب.
ورأى الكيلاني أن هذا المسار يكتسب أهمية تتجاوز القضية الفردية، لأنه يبرهن عملياً على إمكانية تحويل مذكرات التوقيف الصادرة عن القضاء السوري إلى إجراءات قابلة للتنفيذ خارج الحدود عبر التعاون القضائي والقنوات القانونية المعتمدة.
وأضاف أن الخطوة تحمل كذلك رسالة إلى دول الجوار بأن وجود المشتبه بتورطهم في الانتهاكات على أراضيها لا يحول دون استمرار ملاحقتهم، وأن التعاون بين السلطات القضائية يمكن أن يؤدي إلى استعادتهم وإخضاعهم للمحاكمة.
وشدد الكيلاني على أن بناء سوريا الجديدة يتطلب كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين استناداً إلى الأدلة والقانون، بعيداً عن الانتقام أو العقاب الجماعي، مؤكداً أن العدالة الانتقالية لا تتحقق بمجرد توقيف الأشخاص، وإنما من خلال مسار مؤسساتي يحدد المسؤوليات ويكفل الحقوق القانونية لجميع الأطراف.
وكشف بيان صادر عن قوى الأمن الداخلي، الأربعاء 19 آب 2026، أن عيسى يواجه اتهامات بالقتل العمد، وتسهيل ارتكاب جناية، والقتل قصداً لأكثر من شخصين، والتعذيب المفضي إلى الموت، إضافة إلى جرائم اعتداء تستهدف إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، فيما أصبحت القضية منظورة أمام قاضي الإحالة الرابع في دمشق تمهيداً للبت في إحالته إلى محكمة الجنايات.
وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية، في تفاصيل المسار القضائي الذي سبق التسليم، بأن عيسى مثل بحضور وكيله المحامي طوني شديد أمام النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج، الذي استجوبه استناداً إلى الملف القضائي الوارد من سوريا، قبل إصدار مذكرة توقيف بحقه بشبهات تتعلق بالقتل العمد والقصدي، والتعذيب المؤدي إلى الوفاة، وإثارة الاقتتال الداخلي والطائفي.
وأشارت المعطيات إلى أن عيسى أوقف في 7 آب 2026 عقب توجهه إلى السفارة السورية في بيروت لإنجاز معاملة إدارية، إثر إبلاغ موظفي السفارة النيابة العامة اللبنانية بوجوده، فيما أقر خلال التحقيق بدخوله لبنان بصورة غير شرعية بعد سقوط نظام الأسد البائد في كانون الأول 2024، ونفى الاتهامات الموجهة إليه، مؤكداً أنه كان ينفذ الأوامر العسكرية.
ويبلغ عيسى من العمر 67 عاماً، وتدرج في صفوف جيش نظام الأسد البائد حتى رتبة لواء، وتولى قيادة الفرقة 17 التي كان مقرها في محافظة الرقة، قبل تكليفه عام 2015 بقيادة القوات البرية والعمليات العسكرية في دير الزور، واستمر في منصبه حتى إحالته إلى التقاعد عام 2016.
ويمثل تسليم عادل عيسى اختباراً عملياً لإمكانية توسيع التعاون القضائي بين سوريا والدول الأخرى في ملفات المطلوبين، وتحويل مذكرات الملاحقة والاتهامات المرتبطة بانتهاكات السنوات الماضية إلى إجراءات قضائية عابرة للحدود، بما يعزز مسار المساءلة ويجعل القضاء والأدلة والإجراءات القانونية أساساً لتحديد المسؤوليات وإنصاف الضحايا ضمن مسار العدالة الانتقالية.
معد التقرير: محمد العلي

المزيد...
آخر الأخبار