الشاعر " عبد الكريم الناعم " معطيات وهواجس حول الرؤية الشعرية المعاصرة

العدد: 
14563
التاريخ: 
الثلاثاء, شباط 23, 2016

لاشك أن الشاعر عبد الكريم الناعم هو من القامات الكبيرة التي لها شأنها على الساحة الأدبية و الشعرية و أن القارئ لأشعاره و المتابع لأعماله ينبغي عليه التخلي عن لحظات الدهشة التي تراهن على قارئ يغوص أكثر في الأعماق و الوجدانيات و تجليات الروح و خيالات الرؤية لإيقاعات الكتابة الشعرية و أن التناغم واضح حيث يتراءى للقارئ أن الشاعر يضيف إلى تجربته الشعرية عبر نصوص شديدة التوهج في المفردات الممتلئة بالشعرية و الغنائية دون أن يؤثر هذا على كتابة قصائد عذبة لضواحي القلب و بساتين الذات المتمرسة في محبة الأرض و الوطن و الإنسان .

حيث يقول في ديوان " زهرة النار " من قصيدة / أم الشهيد / :

شدوه كالآلاف فوق الأعمدة

ودعوا الدماء تغور في صلب الحديد

تسح ملء الأورده

تجري على درب تصبّى عمره

من ألف جرح لاهثٍ، وليبتسم ذعر الجبان

شدوه فالأمطار تغسل روحه حتى القرار

ارفعوا ضريحه

قنديلنا ينبوع نار      ص 96

ومن ديوان " من مقام النوى " نستقرئ وجدانيات متنوعة في الحب ، والسفر ، و الحنين ، حيث يقول في قصيدة " نقرة " :

إن روحي من خزف

ويدي تستقرئ الحبر على قرطاس روحي

فاحذري القلب الذي تصنعه الأيام من

طين الشغف

إنه إن يهطل الحزن عليه

تصبح الوردة كوباً لجروحي

أما الديوان الشعري " كتاب أمير الخراب " : فهو يستمد نسغه من الوطن و العلاقة بالمرأة ، و المآسي الاجتماعية ، وهي تدل على فكر ناضج و ألم داخلي عميق حيث يقول :

ياغربة الجرح بين الأهل و الدار

من ذا يعلل هذا النزف ، لازمني

طلق ، / وهذي يدي أشواك صبار /

حلمي الممزق يعدو بي إلى غسق

من حالك النبض في رحب السنى العاري    ص 209

حتى المحطات لم تشرع نوافذها

حتى القراءات صارت صمت أحجار

وفي قصيدة " بوابة " : من كتاب " من سَكرِ الطين " يقول الشاعر :

سيدي ضيعتني كؤوس الفتنة فأنا

لا أعرف / أني / إلا حين يزغرد البكاء

بمعازف أوتار الغربة

يرتعي عشبة قلبي فإني أحبُّ

امتلاء البغام حتى الجمام

أما ديوان " تنويعات على وتر الجرح " فهي مجموعة شعرية تتميز بلغة شعرية معبرة ، واضحة في إيقاع موسيقي مشرق ، و انفعالات ناضجة بعيدة عن الضبابية ، و يتجلى فيها رفض الشاعر للواقع العربي ، ونزوعه إلى واقع تقدمي جديد ،

اقتطف من قصيدة " المراوحة بين الدم و الجنون " :

محاصر

ترصدني الأقلام

خانات النفوس

الأفق لا يأتي

وكوكبي معلق من أذنيه في الفراغ

الوطن المسروق من قلبي : تكيّةٌ، ...

أمس التقيت الوطن المسروق من قلبي ،

افترشنا العشب :

" حدثني عن الرياح ، والتراب ، و المدى " ،

كما كتب الشاعر " الناعم " في ديوان " دارة " باقات شعرية بنفس ريفي بدوي فيه طابع الحزن ، ويطرح هموم الإنسان العربي بمحاولات تنتمي إلى الحداثة و بصوت متميز ومناخ صوفي ،  يقول في قصيدة : " من مقيدة الرهان " :

غير المساءات ما أبقت لي الحرق

فها أنا اليوم في أمدائها سبق

ملقى إلى خاطفات الوقت ، تعبر بي مسالك

النَّزق الكوني ، و الشفق

تجري المحطات في نبضي فأفرزها لتستجيب

إذا حنَّت لها الطرق

جريت حتى شربت الماء من ألقٍ       ص 48

و أظمأ المهجة الحرانة الألق     

يتعاطى الشاعر " عبد الكريم الناعم " في كتابه " في أقانيم الشعر " معطيات وهواجس معاصرة عدة حول الرؤية الشعرية من جوانب عديدة حيث يقول بأن الحداثة تستصفي الأدب بخاصة كصورة روحية للحياة بوهجه و بتجديده وبرغبته في التجاوز .

وانطلاقاً من فهم المعاصرة يمكن الدخول ، ازدلافاً إلى " الحداثة " و ذلك لأن الحداثة كعلاقة ، وكحالة ، وكفهم هي تجلٍّ خاص في الإبداع لملامح العصر ، نزوعاً و استشرافاً و " المعاصرة " دخول في العصر ، و " الحداثة " سفر خاص في العصر ذاته ، وحالة حيوية ، وإذا كانت الحداثة تحمل ملامحها الفريدةفي العصر، فإن المعاصرة لا تعني الحداثة بالضرورة ، وفي مجالات الإبداع الأدبي على وجه الخصوص .     ص70

أخيراً يمكن القول إن فاعلية الشعر لدى " عبد الكريم الناعم " ووظيفته وجمالياته و فنيته كبيرة  وخاصة في هذه المرحلة الاستثنائية التي تمر بها سورية ، فالشاعر الآن :

سياسي بالضرورة ، لأنه جزء من مقاومة الاحتلال ومحاربة الإرهاب و الإرهابيين ، وقد أسهم " الناعم " من خلال نتاجه الأدبي و الشعري في إنجازات كثيرة أغنت الفكر و تطلعاته التي تخدم قضايا الوطن وهمومه .

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
وسيم سليمان