صندوق العرس والشهادة

العدد: 
14858
التاريخ: 
الأربعاء, أيار 17, 2017

أحمد شاب وسيم ،طويل القامة ،عريض الكتفين ،أسمر ذو عينين خضراوين .تربى في قرية صغيرة جميلة  ،وكان نصف وقته في الأرض ،يساعد والده ،والنصف الآخر ،تحت شجرة الزيتون العريقة ،يدرس أو يقرأ كتاباً كان أحمد محباً للعلم والثقافة ،وكان حلمه أن يصبح مهندساً .وبالفعل اجتاز مرحلته الثانوية ،وتفوق ،وبدأ بدراسة الهندسة ،وكان سريع البديهة ،يدرس معظم وقته ،وفي الأوقات الأخرى ظل يساعد والده في الأرض .
ثم هجم السواد على بلدنا ،وجاءت أسراب من الغربان ،لتخرب كل شيء جميل فيه ،وتحول الخضار إلى سواد ودمار .
ليلة ماطرة وعاصفة ،أحمد ووالده جالسان في غرفة صغيرة  ،في بيتهم القروي الدافئ كان أحمد مستلقياً واضعاً رأسه بين يدي أمه ،تداعب شعره الأسود الجميل ،ثم أحس أن يدي أمه العجوز ترتجفان ،على غير العادة .فقال:أمي ؟ لم تسمعه ...ثم عاد قائلاً :أمي ؟ لماذا أنت شاردة الذهن ؟
فقالت له :لا شيء يا ولدي ....فتدخل أبوه قائلاً : بلى ...أنت شاردة الذهن ما بك يا أم أحمد ....فردت :لا شيء .
فقام أحمد وقبل يديها ،ثم عاد ووضع رأسه بين يديها ونام .
وبعد فترة قصيرة ،هجمت قطعان الوحوش البربرية ،على بعض القرى القريبة من قرية  أحمد .وسمع الجميع بالذي حدث ،ومدى فظاعته .
كان أحمد جالساً في ظل شجرة الزيتون ،كالعادة يدرس ،ولكن في هذه المرة كان شارد الذهن ،يفكر بالذي سيحل بالبلد .ولمعت في باله فكرة .فهب راكضاً إلى منزلهم .فتح الباب ....فوجد أباه جالساً وأمه العجوز النحيلة تخيط الصوف في يدها .فقال لها :ماذا تفعلين يا أماه .قالت :أخيط لك كنزة تقيك من البرد .فابتسم وقال :أريد أن أكلمكما في موضوع .فوضعت أمّ أحمد يدها على قلبها
وأحست بوخزة بصدرها وقال أبو أحمد :تفضل يا بني .
بدأ أحمد بالحديث قائلاً :تعرفان أنّ بلدنا يتعرض لهجمة شرسة .وأنّ القرى المجاورة لنا تعرضت للهجوم ... فهزت أمه رأسها  ولم تفتح فاها بحرف .وتابع قائلاً إنني لا أستطيع أن أتحمل  رؤية أصدقائي ،وإخوتي يموتون كل يوم ، وأنا جالس هنا لا أفعل شيئاً .فقال له أبوه :بلى .....إنك تفعل ،إنك تدرس وستفيد البلد .فردّ :لم أعد أستطع التحمل أكثر ،كلما فتحت كتاباً كي أقرأه ،أرى فيه الدماء ،فاتخذت قراراً أن أتطوع في الجيش وأصبح ضابطاً ،لكي أحمي بلدي فهزت أمه رأسها ،وكأنها تعرف هذا ،قبل حتّى أن يفكر به أحمد .
ثم أدمعت عيناها قائلة : لكن حلمك كان أن تصبح مهندساً .
وقال أبوه : نعم ،أحسن مهندس .فرد أحمد :إن  لم أدافع عن بلدي ،لن أستطيع تحقيق حلمي .فقال أبوه :لا نستطيع أن نقف في وجهك .وأومأت أم أحمد برأسها .
كانت أسوأ ليلة تمر على أم أحمد .كانت طوال الليل تبكي غارسة رأسها في وسادتها ،تحاول أن تكتم صوت بكائها .
وفي صباح اليوم التالي ،استيقظ أحمد ، وتوجه إلى المطبخ ،فوجد أمه مجهزة له الإفطار ،وحقيبة صغيرة فيها بعض الطعام .وقالت له :أعلم أنك ذاهب اليوم لتتطوع في الجيش .فأمال أحمد رأسه وابتسم وقبل يديها ،مجاوباً :نعم يا أمي العزيزة ، سوف أذهب لأحميك ، وأحمي أبي ، وأرضنا وشجرة الزيتون .فغصت بالدمع ، وابتسمت ،وقبلت رأسه قائلة : أنا فخورة بك يا ولدي  ثم تناول الجميع الإفطار ،وارتدى أحمد ثيابه ، وذهب إلى الكلية ، لكي يتطوع وبعد أيام عدة ، جاء شرطي إلى بيت أحمد ،طرق الباب ....
فتح أحمد الباب فقال له الشرطي :أأنت أحمد .ردّ :نعم يا سيدي .
قال له :حضر نفسك لتذهب إلى الكلية يا بطل .
فابتسم أحمد ابتسامة من قلبه وقال :شكراً لك . ثم ركض إلى الأرض منادياً .... أمي ! ...أبي ! قبلوني في الكلية ، وسأذهب غداً .
عمّ السكوت أرجاء الأرض ،ولم يعد هناك إلا صوت حفيف الأشجار .
فقال أحمد : لا تحزنوا يا أعزائي ،إنني سعيد ،لأنني سأحميكم ،
وسأعود ‘إليكم بخير  إن شاء الله .
مرّت ليلة على أم أحمد ،تبكي وتغرس وجهها في الوسادة ،تغطي وجهها بخصلات شعرها الأبيض ، الذي يحكي قصة حياتها .
في الصباح استيقظ أحمد ،فوجد حقيبة ملابسه ،وطعامه ،وكل شيء جاهز وأعطته أمه الكنزة التي حاكتها  له  وقالت :هذه الكنزة ستقيك من البرد وقد حكت عليها اسمك ،كما كنت أفعل وأنت صغير .فضحك وقبل يديها وشكرها .ثم ودّع أحمد والديه ،وقبل يديهما ،ثم ذهب إلى شجرة الزيتون وقبل جذعها ،ثم رحل .»
كان أحمد يأتي كل  شهر مرة، يجلس مع والديه  ويجلس في ظل شجرة الزيتون كعادته، لكنه في زيارة من زياراته كان غريب الأطوار، يجلس معظم وقته، لايتفوه بكلمة واحدة، ويبقى شارد الذهن، وكانت أمه أيضا ً غريبة تظل شاردة وكأنها تعرف مايجول في خاطر ولدها وكانت تظل تهز رأسها ، وفي عينيها دمعة .
 جهزت أم أحمد أغراض ولدها، فاستيقظ وقبل يديها كالعادة. فأعطته صندوقا ً ، قال لها : ماهذا  ياأمي ؟ قالت: افتحه، فتحه ووجد فيه علم  وغصن من شجرة الزيتون، قالت: احفظه حيا ً، واحمه، فهذه أرضك فحضنها وقبل يديها وذهب .
 اشتدت الحرب على  بلدنا الحبيب، وحوصرت المنطقة التي يوجد فيها أحمد ، وانقطعت أخباره، ومرت أشهر على أم أحمد كأنها سنين، تخيط فيها ثيابا ً لأحمد،وكانت تقول لأبي  أحمد: إنني أتوق شوقا ً ليأتي أحمد ، فأخطب له فتاة جميلة  مثله، لكي أراه عريسا ً، وكانت تعقد ذلك وفي نفسها إحساس تحاول كبحه، ويقين تحاول أن تكذبه، كانت أم أحمد قد بدأت تحيك بدلا ً من الثياب ، علما ً كبيرا ً وكان يقول لها أبو  أحمد لماذا تحيكين علما ً وتقول له : إنه لأحمد بعد فترة دق باب البيت، فغزت أم أحمد يدها بالإبرة التي كانت تعقد فيها آخر خيط من العلم ، قام أبو أحمد وفتح الباب، فرأى جنديا ً طويل القامة وأسمر، لكنه ليس أحمد ، كان ممسكا ً بصندوق وقال: أأنت والد البطل أحمد ؟ فقال أبو أحمد  بصوت يرجف : نعم ! فضرب له التحية وقال بغصة: هل خالتي أم أحمد هنا ؟ فأشار إليه أبو أحمد  وفي  عينه دمعة .. ادخل .... كانت أم أحمد في هذه الأثناء جالسة على كرسيها ، محتضنة العلم ، عندما دخل الجندي ووجدت الصندوق في يده بدأت بالبكاء، فقال الجندي بحرقة: أنا صديق أحمد وهذا الصندوق كان يحمله معه دائما ً، فمرة سألته : ماذا في هذا الصندوق، فقال لي: أرضي ،وعلي أن أحميها وعندما أصيب سلمني الصندوق، ودلني على المنزل وقال: عندما استشهد، اذهب وأعط الصندوق لأمي، وإني لأرجو أن تسلمها إياه بيدها، وأوصاني أن أقول لك: لاتبكي ياأمي العزيزة ، بل ارفعي رأسك وزغردي فأنا شهيد .
 فهزت أم أحمد رأسها، ومدت يديها المرتجفتان ، وأخذت الصندوق ، واحتضنته  وفي اليوم التالي ، جاء جثمان الشهيد، وكان أبو أحمد قد فرغ من حفر المكان الذي كان أحمد يجلس فيه، في ظل شجرة الزيتون.  فصارت أم أحمد تزغرد وقالت: كان حلمي أن أراك عريسا ً , وقد اخترت أجمل عروس ياعزيزي.. الشهادة ياأحمد .
ووضع جثمانه ملفوفا ً بالعلم الذي حاكته أمه له ، وضع في المكان الذي أحبه، وأمضى فيه أجمل أيام حياته .
 وبقي الصندوق الذي دافع عنه، وضحى بدمه من أجله ... بقي داخله العلم، وغصن الزيتون الأخضر، الذي لم ولن يذبل.
 

المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
آية نابغ رسلان

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
كابتشا
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA
الرجاء إدخال الرموز الموجودة في الصورة