ريحانة البيت.. ريحانة الجنَّة..

العدد: 
15159
التاريخ: 
الأحد, آب 26, 2018

الرَّيحان  رحمة ورِزق، وطيب رائحة. هو الآس بلمعته وبهائه.. هو الحبق ببهجته ورقته  وحسن منظره.. والمعروف في الكثير من المدن السورية التي تتزين به شرفات منازلها, وجنيناتها, وحدائقها.. وجلسات قهوة ناسها وتنوُّع مشاربها...
أمي ـ رحمها الله ـ هي من لفتت نظري إلى جمال هذه النبتة الغنية بالرائحة العطرة والخضرة الغضَّة الرقيقة. كانت تزرع العديد من  أنواعها المميَّزة منها: الحبق المكدَّس, والناعم والخشن كما هو معروف في مدينتنا (حمص) وغيرها..
 أمي كانت تسقي أصيص الحبق دون أن تجلب الماء على الأوراق, تصبه عند أسفل الساق لكي لا تصاب النبتة بالمرض, وتكون عرضة للديدان, وخاصة الحبق الناعم منه..
من أمي أخذت كل الحب والتذوَّق للنباتات والزهور.. فكانت تعتني بالجنينة حتى أضحت أمنية محققة لكل الجارات والصديقات في الجلوس فيها والاستمتاع بجمال زهورها المتنوِّعة الرائعة كالجوري والياسمين والحبق بكل أنواعه وحلق الست والسداج والفل وتم السمكة وعطر الليل الذي كان يصل عطره إلى الشارع, علماً أن الجنينة داخلية.
أمي كانت تضع بعض قطفات الحبق في محفظتها الصغيرة وكلما فتحتها تنشَّقت عبق الرائحة.. فتعظِّم الخالق وتجله على حسن إبداعه.  
الريحان في القلب بلمعته وعطره وجماله, ومن هنا ربما يكون سبباً لمداواة الأزمات القلبية حيث يحث العضلات والأوعية الدموية على الارتخاء وتحسن اندفاع الدم, وتقليل خطورة عدم الانتظام في إيقاع القلب أو تقلصات العضلات والأوعية الدموية.
الرَّيْحَانُ أو الحَبَقُ, يستخدم في التزيين، والطهي، والطب. وتكون أزهاره ذات ألوان بيضاء أو أرجوانية، ذات رائحة عطرة مميزة, وهو يعد من التوابل القديمة شائعة الاستخدام في تحضير الأطعمة وتحسين نكهة الشاي. وأما زيته العطري المستخرج من أوراقه فيدخل في صناعة العطور والمشروبات, كما يُعد من الأدوية لكثير من الأمراض الشائعة.
ـ ذٌكر الريحان في القرآن الكريم في سورة الواقعة  فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ  [56:89] ومعنى الريحان في الآية هو الرزق.
ـ وذكره النبي محمد صلى الله عليه وسلَّم  في الحديث الشريف حين قال: “من عرض عليه ريحان فلا يرده فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة.
وقد عرف عن النبي الكريم أيضاً  أنه كان يلقِّب ابنته فاطمة الزهراء. عليها السلام بريحانة البيت وقد كانت قريبة جداً إلى قلبه وعقله.
عُرف الريحان لدى العرب منذ القدم, و من أبيات الشعر التي قيلت فيه:
وريحان تميس به غصون                   يطيب بشمه لثم الكؤوس
وهو في مقدمة الأبيات المغناة التالية:
يا زارع الريحان حول خيامنا
          لا تزرع الريحان فلسنا نقيم
ما كل من ذاق الهوى عرف الهوى
        ولا كل من شرب المدام نديم
ولا كل من طلب السعادة نالها
         ولا كل من قرأ الكتاب فهيم
ويُستخدم الريحان في منطقة عسير كجزء من الزينة لدى النساء في مناسبات الأفراح مثل الزواج والأعياد، حيث يضعن في رؤوسهن وحلوقهن أغصان الريحان الزكية الملونة.
يسمى بالعشبة الملكية، وأطلق عليه قدماء المصريين اسم ست أو شامو، وأطلق عليه أهل العراق والشام والمغرب اسم الحبق، وفي اليمن يسمى الحابي أو الرعاوز، ويوجد ما يقارب مئة وخمسين نوعاً منه ولكن أشهرها نوعين: الريحان الحلو, والريحان الكافوري.
وللريحان طقوس معروفة في بلادنا وخاصة فيما يتعلَّق بالآس منه وهو عيدان طويلة تحمل أغصاناً متشعِّبة ملأى بأوراق الآس الخضراء اللامعة العابقة بالرائحة الزكية.
 يحمل الناس باقات الآس  يوم الخميس للذهاب إلى زيارة القبور, حيث توضع عليها تيمناً برياحين الجنة, هذا نوع من الدعاء للموتى بأن يسكنهم الله في جنان الخلد, ليتنشَّقوا رياحين الجنة. وكذلك نشاهد هذه الظاهرة في صباحات أيام أعياد الفطر والأضحى.
من منا لم يشهد تلك المقابر التي امتلأت بجثامين الشهداء الطاهرة, وقد  تكللت بالرياحين, وعبقت بروائح البخور.. ومن منا لم تذرف عيناه دمعاً وأسى على ما حل بأبنائنا من مصائب وبأمهاتنا وآبائنا من لوعة الفقد وحرقة الألم. فلجميع شهداء بلادنا ألف تحية ورحمة وسلام.

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
سريعة سليم حديد