ربيع آخر

العدد: 
15008
التاريخ: 
الأحد, كانون الثاني 7, 2018

حين تكون اللامبالاة هي المنعطف الأخير لكل الأشياء الموجعة التي لا جدوى منها..فإن آخر مراحلها هو الصمت..الصمت الراقي الذي يختصر كل أوجاع الحياة .
عندما نتفوه أو نقوم بعمل أشياء ضد قناعاتنا ، فهذه خطيئة..و حين نختار الرحيل عمن نحب بإرادتنا فهذه خطيئة..و حين يغزونا سوء الفهم ، فهذه خطيئة كبرى..
نستحق الرجم بالصبار على ما اقترفناه من خطايا .
قررنا الانفصال بعد زواج دام عقدين من الزمن. وقبل أن أغلق الباب خلفي ، سألتني زوجتي باستغراب و حزن : كيف يتعايش ضدان معا طوال سنين طويلة و هما كالزيت و النار؟! و أردفت : ماذا تعلمت من العمر الذي مضى ؟
أجبتها بغصة حارقة : هو العقاب الذي أنزله الله تعالى بمن لا يحسن الاختيار ، لهذا يتعايش ضدان معا طوال سنين طويلة . أحتاج أكثر من حياة  لأتعلم من أخطائي التي لم يكن هناك مفر من ارتكابها ..تعلمت أنه لو كان لي أكثر من حياة لتبعت قلبي فقط . لقد عرفت أن أنثى وحيدة و واحدة فقط هي توءم الروح الحقيقي التي يعزفها وتر الحب مرة واحدة في الحياة ، و لن تتكرر سيمفونيتها في أي زمن آخر ، لذا،إما هي أو لا أحد .
حتى لو عاندنا القدر، و مهما تكن الظروف يجب ألا نقبل بالحب شبها، فهو أشبه بجائزة ترضية نضحك بها على أنفسنا لتعويض خسارتنا لمن وقعنا معه معاهدة حب أبدية ، لكن قدرا أحمق الخطا نقضها .
سامحيني زوجتي لأني لم أنصفك ، فلم أستطع أن أحبك حبا حقيقيا في يوم من الأيام..لكني أحترمك جدا، و هذا غير كاف.
أغلقت الباب خلفي و أكملت طريقي و أنا أسأل نفسي:
لماذا يسطو على الإنسان سهاد الحنين إلى الماضي الآفل إبان أيلول العمر ؟
تذكرت حينذاك كلمات الراحل محمود درويش الرائعة حين قال :
(و بكيت كما لم أفعل من قبل
بكيت من كل الحواس
بكيت كأني لا أبكي !
بل أذوب دفعة واحدة و أمطر )
و أنا أيضا بكيت كما لم أفعل من قبل...
تركت خلفي زوجتي و أطفالي لأكون على موعد مع حبيبة عمري ..فقد أنهكنا فراق السنين و القدر.
عدت لأسأل نفسي :هل سيزهر ربيع ثان في خريف العمر؟ هل سيزهر اللوز في أيلول لأجلنا؟
تساءلت و تساءلت و أنا أمشي شارد الذهن للقاء من أحب ، حتى كسر شرودي رنين جوالي ..لقد كانت هي، حبيبتي .بادلتني السلام ثم قالت و هي تبكي بحرقة :
لقد ضعفت أمام فلذات كبدي ، فسامحني يا صديق العمر ..لا أستطيع أن أتركهم لأكمل حياتي معك .
ساد صمت حزين قاطعته قائلة : الحب أقوى من الموت، لكن أولادنا أقوى من الحب و الموت..و مني و منك أيضا .
تابعت طريقي و أنا مذهول مما سمعت ، إلى أن وصلت شاطىء البحر..وقفت هناك و نظرت إلى سطح الماء فلم أر غير صورة قنديل نضب زيته فشحب ضوء فتيله، ثم تلألأ قليلا قليلا لينطفىء إلى الأبد..
أغمضت عيني و خلعت خاتم زواجي لأرميه في قاع البحر..هناك حيث سأدفن قصة حب بطلتها تسكن زجاجة عطر..بطلتها تمثل كنز القيم في زمن الصدأ..
هناك في قاع البحر ستفوح رائحة حب عانده القدر و ستعزفه أمواجه زبدا يغازل سماء لازوردية معانقة الأرض عناقا أبديا كعناق التراب للجذور .

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
هيلدا مخلوف