قراءة في رواية (طواحين النار)

العدد: 
15112
التاريخ: 
الاثنين, حزيران 11, 2018

الرواية التاريخية تطرح إشكاليات عدة.. بين الواقعة التي حدثت بالفعل، وبين تشكيل الفعل من الخيال، وبين توظيف الشخصيات التاريخية، أو خلق شخصيات خيالية تعايش المرحلة التاريخية فتتأثر بها، وقد تؤثر فيها ضمن نطاق محدد كيلا تنحرف الأحداث عن مسارها المنقضي. علما أن الكاتب غير ملتزم بمصداقية ما جرى كالمؤرخ، فالمبدع مطالب بمصداقية الفكرة والرؤيا.
الروائي الدكتور (عبد الخالق كمال كلاليب) يمزج بين المتخيل الإبداعي والواقعة التاريخية في روايته (طواحين النار) التي يتناول فيها حقبة زمنية جرت فيها أحداث عظيمة كان لها دور كبير في تغيير الكثير من المعطيات التي مازالت آثارها باقية حتى اليوم. كما يستعين بشخصيات تاريخية، ويفسح المجال في الآن نفسه لدخول شخصياته المتخيلة، أبرزها (محمد بن القاسم) الذي يعرض لنا مشاهداته بضمير المتكلم للتأكيد على واقعية الحدث، ويعزز ذلك بمقتبسات مقتطعة من كتب تاريخية تناولت تلك المرحلة (وبلغت القلوب الحناجر وأيقنوا باستيلاء الفرنجة على سائر الشام لعدم الحامي له والمانع عنه فشرع أصحاب البلاد الإسلامية بالشام في الهدنة معهم. - الكامل في التاريخ لابن الأثير-) وذلك في بداية كل فصل من فصول الرواية.
بطل الرواية (محمود) شاب غرناطي مسلم يرحل عن الأندلس قاصدا الشام بعد حب فاشل لفتاة حسناء يهودية قادمة من القسطنطينية، بعدما رفضت أسرته زواجه منها. وفي بلاد الشام تكون في انتظاره الحروب الصليبية. فالرواية ترصد الصراعات التي تأخذ غطاء دينيا .
دون الخوض في مفهوم العقيدة وانتماءاتها. فلم يكن مقصد الروائي تناول هذا الموضوع وتحليله، بقدر اهتمامه بالأبطال كشخصيات منتمية إلى مكان بذاته. لهذا نجد الرواية تدور ضمن فضاء جغرافي واسع، فبطلها القادم من غرب أوربا، يطوف في رحلته- الممتدة على مساحة الرواية- صحاري أفريقية، ويجول في شوارع القاهرة المزدحمة، ويقف مذهولا أمام أبي الهول، قبل وصوله إلى بلاد الشام وتنقله في مدنها، ثم سفره إلى إنطاكية، والقسطنطينية. فيشهد سقوط المدن واحدة تلو الأخرى بيد الغزاة القادمين من خلف البحار بسهولة لم يتصورها أحد (إن صغر حجم الجيش الذي استولى على بيت المقدس لم يكن أمرا مبالغا فيه، فقد كان الجيش صغيرا بالفعل وكان عدد فرسانه القلائل مثيرا للدهشة).
لم يدع الروائي بطله معزولا عن المنطقة التي يعيش فيها، فقد جعله يقترن بامرأة من حلب، ثم يستقر في حمص، حيث كون عائلة كبيرة من الأولاد، والأحفاد، وبذلك لم يعد غريبا عن المكان الذي اختاره بملء إرادته، فقد صار من أبناء هذه المنطقة وان كان ينحدر من بلاد بعيدة تدعى الأندلس، وهي ستسقط فيما بعد بيد الأوروبيين ذاتهم ضمن صراعات دينية وإقليمية أيضا.
رحلة بطل الرواية هي رحلة البحث عن الحقيقة كما يصفها البطل نفسه، فهو كثير القراءة، وصديق الوراقين، وقد يقطع آلاف الأميال ليلتقي بمؤلف كتاب نال أعجبه، ويجيد الجدل مع الشخصيات المثقفة التي يلتقيها. ورغم ذلك لم يحدد هذا البطل- أو المؤلف- ماهية الحقيقة التي يبحث عنها، لهذا ظلت مسيرة البحث غير محددة الملامح، على الرغم من كثرة التفصيلات التي أحاطت برحلة هذا البطل منذ بدايتها، حتى خاتمتها.
وتنتهي الرواية بانحسار المد الصليبي الذي بدأت معه (طارت الأنباء في البلاد بأن السلطان صلاح الدين قد استعاد بيت المقدس وانها حقبة من تاريخ العدوان على العرب امتدت تسعة وثمانين سنة).
 ومن الجدير بالذكر أن الوجود الصليبي لم ينته تماما بعد معركة حطين- كما هو شائع- فقد حدثت الكثير من الأحداث فيما بعد، وحبذا لو أشار الكاتب إلى بعضها-على الأقل- فقد كان حقق مكسبا هاما لو تناول مرحلة مجهولة- رغم أهميتها- في تاريخ تلك المنطقة.  ولعلنا نجده يتناول تلك الحقبة الضائعة في رواية قادمة.
برغم أن رواية (طواحين النار) هي العمل الأول للكاتب (د. عبد الخالق كمال كلاليب) فهي لم تقع في مطب الرغبة في الكتابة المجانية، فهي رواية غير تقليدية من هذه الزاوية، كما تبشر بمؤلف جاد يمتلك مشروعا طموحا لتقديم سرد إبداعي غني بمدلولاته على أكثر من صعيد.
 

الفئة: 
المصدر: 
العروبة
الكاتب: 
سامر أنور الشمالي