وقفة مع شاعر البلعاس والبراري الشاعر خضر عكاري

تراتيل للصحو القادم ، عنوان كتاب جديد ، للشاعر العتيق خضر عكاري ، ولشد ما يتناسب هذان المصطلحان مع الشاعر ، فخضر عكاري ، جديد بأدواته ومفرداته ،ولكنه عتيق بأصالته ،وخبراته

، مبدع ، في قصائده وشعره ، ولكنه لا يساوم في الفكرة ، يحملك بخياله إلى البعيد المجهول ، ولكنه يسفك دمه ولا يتزحزح من مكانه ،إنه خضر عكاري الشاعر البري الشرس، الشاعر الأكثر برية من ظباء البلعاس ،والأكثر وعورة من دروب الكرامة ، والأكثر رعونة من فاتنات الصحراء ،لكأنه بشربه مياه العاصي قد اعشوشب فيه العصيان ، وبتسلقه صغيراً قلعة شميميش قد تأجج في دمه الإباء وتوعر في روحه الشموخ لنقرأ أفعال الأمر التي تتكرر في هذا المقطع الشعري من قصيدة تراتيل للصحو الآتي حيث يقول : « شقي تنورتك المرقعة بالغياب ... ياشام... وجاهري بالجراح .. تلفتي .. أيها البطم الذاهل .. نفض عن جنبيك عار الفصول ... ولوح .. بالحداء ...(1) واضح من هذه الأفعال المتتالية ، أن الشاعر يكاد يمزق ثيابه لفرط غضبه وألمه ،واستخدامه لأفعال الأمر ينم عن طبعه المتمرد وعن حب الشاعر للمشاكسة ، ولا يخفى على القارئ ملاحظته استخدام الشاعر للألفاظ الأكثر التصاقاً بالمعنى المراد . ولا يعني اقتراب الشاعر من المتداول لدرجة المحلية أنه يضيق بمعناه بل على العكس ،فهو الذي يشمخ بالخاص إلى العام ،ويذبذب الضيق في ا لواسع والمحلي في الكوني ،يقول الشاعر في قصيدة خلاسيات من أمة واضحة : جديلة من النجوم ، مشط من الحوارات ،باقة من جذر الأرخبيل ، وضمة من حبق الشام ، وبطمة تتلوى بين فخذي الضباب ، ترسم للآتي أبد الولاء . نلحظ أن الشاعر ينطلق من الأرض ،ولكنه سرعان ما يصل السماء ، من خلال انفعال ملتهب وعاطفة متوهجة لحد الاحتراق عائداً إلى موقع انطلاقه بعفوية منقطعة النظير إن العذاب والاحساس بالتشتت والتصدع والشروخ التي تعصف بالأمة مروراً بأوردة الشاعر ، تعصف به فيبدأ بتمزيق كل شيء ولكن بشراسة الذئب إذا جرح و خشونة البركان إذا جلجل ، يقول في قصيدة تجليات الهلال الخصيب : أمطرتني الحرائق الوالعة ، حفنة من الرماد ووابل الجمر ...وبعض انزياحات الجليد دعست على كتفي ملامح الأصابع المهترئة (3) إذن ها هو السيل الجارف الحارق يخترق جسد الشاعر ، ولكنه الجسر الذي من اختلاجاته ستصل إلى الأعمق والأخطر ، فيكمل الشاعر قائلاً وفي القصيدة ذاتها مختصراً دورة الألم والفجيعة بالانتقال العفوي : عام ، خاص، عام فيكمل :«فاجرة من تبات بلا لحاف ، مشغولة بالتأوه والأنين لا وقت للنرجس يزيح عن صدره روائح الفصول ، لا وقت بلادي للنشيج((4)ومن خلال هذه الكلمات نكتشف أن الشاعر لم يستورد أحزانه وإنما هي التي تطارده من خلال الهم العام الذي يقض مضجعه ومنذ البدء لم أكن أشأ أن أكتب ما كتبت ،ولكن سحر الشعر جرني ، فأكثر ما يلفت الانتباه في شعر عكاري هو التصاقه بالبيئة ، ومفرداته تفضح ذلك ، فهو قومي النزوع ولكنه يرى أن الوطن والأمة يبدأان من خرائب سلمية مروراً بصروح الشام وصولاً إلى المجرة وهذا يطرح السؤال الأهم وهو بيت قصيد مقالنا : ما الجديد عند الشاعر خضر عكاري ؟ والجواب الحق ، هو أن الشاعر قد التصق ببيئته لدرجة الذوبان ،مما جعله متميزاً عن غيره من الـشعراء وبمعنى أوضح ، تميز بخصوصية اللفظة وما تحمله من صور وأخيلة ،تتركب من وعي هذه الخصوصية الفذة ، ما يجعلك ومن قراءة الأشطر الأولى لقصيدته تقول : هذه لخضر عكاري ، لنقرأ هذا المقطع كبرهان على ما نقول يهمس الشاعر في قصيدة همسات من تنهدات المراعي قائلاً : وغابت ... تلعن عجاج الدروب ... سكرت ..في وجهك المسوسح بالنمش .اشتهاء خلجانها .. وهدتك قارورة عطر ...من شميم بلعاسها ... ومدمدت للشعر قلبها .. وغطتك بمساحة الرعش اللجوج واختلت ترتق بالشهوة سروالها .. دشرتك قبل الفجر ....الخ ربما يكون مثالنا الشعري قد طال ولكن انسياح المفردات وانسيابها جعلاني لا أملك حرية التوقف ليلحظ القارئ هذه المفردات : عجاج ، سكرت المسوسح ، النمش ،شميم ،مدمدت ، اللّجوج ، دشرتك .كل هذه الألفاظ عربية وفصيحة وجميلة ومعبرة ولكنها ليست متداولة بالاتساع الذي يستخدمه خضر عكاري ، وقلما تجدها عند غيره ولكن تكريسها لدى عكاري ، جعلها سمة خاصة به ، هي ذات ا لألفاظ التي تستخدمها جدته مع جاراتها في حواراتهن اليومية على كؤوس المتة ، ولكن هي ذاتها التي ستنقلك إلى العالمية ، فلكي تفهم العالم يجب أن تفهم نفسك ، ولكي تصل إلى العالم يجب أن تنال اعترافه بك ،ولكي يعترف بكيانك ، يجب أن تواجهه بلغتك وخصوصيتك لا بلغته وخصوصيته وعندها ستذوب في كيانه الضئيل ، مهما كنت كبيراً. يقول الشاعر في قصيدة شغب الحروف جهاتي : نمنمي شغب الحروف ، وادعكي ملمول المواقد ، سوسحي نسوغ القصائد ،وقرفصي حد التأوخ ، واجرحي بكاء الثلج بزخة من البرد (6) مما لا شك فيه أن القارئ ، سيلاحظ وبشكل عفوي ، أن ثمة الكثير من ألفاظ هذا المقطع الشعري غير مألوف في قصائد الآخرين ، فاللفظة عند الشاعر عكاري ، عجينة طيعة ،يصوغ منها ما يشاء ،ولكن بما يتناسب مع روحه التي تنزع إلى الحداثة لحد الهوس ، وتعشق الجدة لدرجة الجنون ولكننا في النهاية نرى الشاعر خضر ، برغم شراسته وعنفوانه ، وبعد أن يقلب الطاولة علي من حولها ،يعود إلى ا لماضي السحيق ، ليرتاح على وسادة الأسطورة ، التي عشقها من خلال أساطير سورية الرافدين ، لينام مطمئناً إلى أن هذه الأرض ، لا بد لها أن تعيد خلقها تحت الشمس ، فما الموت سوى ولادة جديدة ، حيث يقول : يهتز بي الحيل ، تقتات حناني معزة ليل أعشى ، ترعاني من قدمي وحتى عنقي المذبوح ، خراف إله أسطوري ، مات على ركبة دجلة 70) يستخدم الشاعر لفظة الحيل هنا كعادته في توظيف المفردات التي يمكن أن نقول أنها خاصة به ومن الجلي بأن الشاعر خضر عكاري يقدم الفكرة لا بسذاجة المبتدئ ، ولا بغموض كتاب الطلاسم ، التي لو قرأت كتاباتهم من أي الاتجاهات ، فالنتيجة واحدة ، وهي انعدام الفهم والمراد ،أنت هنا أمام نص غامض برغم وضوحه وواضح برغم غموضه ، وهو ما يسمى الممتنع السهل أو السهل الممتنع : فأنت أمام حروف ساخنة لدرجة التجمر ،وكلمات ملتهبة لحد الاشتعال ، وبلاغة جميلة تمتطي السحر بياناً ، وكله في أتون من المعاناة والشاعرية الصارخة ، وعفوية تجعل السهل معقداً والصعب ضرباً من البيان لهذه الأسباب مجتمعة ،، نقرأ نص الشاعر خضر عكاري ونحن نقول : هذا هو الشعرالذي تميز به صاحبه ، وهذا هو الشاعر الذي تميز به شعره ، فكل من الشعر والشاعر قد ساهم في صنع الآخر وتطويره عبر تجربة طويلة عريضة حلوة مرة ،ولكنها في النتيجة مترعة مقنعة خالد محمود الخالد المراجع : (1) ديوان تراتيل للصحو القادم ، الشاعر خضر العكاري ط1، 8002 ص9 (2) المرجع المتقدم ص22(3) المرجع التقدم .ص83(4) المرجع المتقدم ص34(5) المرجع المتقدم ص201(6) ديوان تنهدات المراعي خضر عكاري شعر مطبوعات اتحاد الكتاب العرب ط1 3002 ،ص211 (7) ديوان تجليات ، خضر عكاري ،شعر أرواد للطباعة والنشر ط1 ،8991 ،ص12(8) ديوان سومريات خضر عكاري دار معد للطباعة والنشر والتوزيع دمشق 6991 ، ط1 ، ص72‏

ثقافة